لم يكن مجرد عبور، ولم تكن ضربات الحظ هي الفيصل؛ بل كان تأهلا مستحقا بكل ما تحمله الكلمة من معنى. في مباراة ماراثونية حبست الأنفاس حتى رمقها الأخير، نجح المنتخب المغربي في تجريد نظيره الهولندي من هيبته، لينتزع بطاقة التأهل من فم الأسد عبر ركلات الترجيح، بعد لقاء بسط فيه الأسود نفوذهم بالطول والعرض.
أظهر رونالد كومان ارتباكا واضحا منذ صافرة البداية، حين اختار التخلي عن خطته الهجومية المعهودة والتحصن بتشكيلة قوامها خمسة مدافعين بدلا من الرسم التكتيكي المعتاد. هذا التغيير الجذري في التشكيل لم يكن مجرد خيار فني، بل كان انعكاسا لقراءة هولندية حذرة تفتقر للثقة أمام قوة المنتخب المغربي؛ وهو ما أجبر الطواحين على الانكماش الاضطراري في مناطقهم الخلفية والاعتماد على بلوك منخفض كبل حركتهم وحولهم إلى فريق يكتفي بالتكتل الدفاعي، تاركين زمام المبادرة والسيطرة التامة للمنتخب المغربي.
هذا التراجع والارتباك ترجمته لغة الأرقام التي أثبتت السيطرة المطلقة لكتيبة المدرب وهبي:
الاستحواذ: بلغت نسبة استحواذ الأسود على الكرة 70% على مدار اللقاء، بينما وصلت في الشوط الثاني لوحده إلى نسبة إعجازية بلغت 82%، محولة العملاق الهولندي إلى منتخب متواضع.
التمريرات: فرض الإيقاع المغربي نفسه بـ 800 تمريرة متقنة، مقابل 293 تمريرة فقط للمنتخب الهولندي.
رغم السيطرة المغربية المطلقة والفرص السانحة التي كان من الممكن أن تحسم اللقاء مبكرا لولا الاستبسال الأسطوري للحارس الهولندي فيربروخن، سارت المباراة ضد مجريات اللعب تماما. وفي أول مرتدة منظمة للهولنديين في الدقيقة 72، نجح كودي خاكبو في خطف هدف التقدم في توقيت قاتل كاد أن يبعثر الأوراق.
لكن القراءة التكتيكية الممتازة للمدرب وهبي وتغييراته الذكية أعادت الروح للمجموعة؛ ومع اقتراب المباراة من نهايتها، أرسل البديل شمس الدين طالبي توزيعة ميليمترية تجاوزت رؤوس المهاجمين لتجد المدافع عيسى ديوب لها بالمرصاد، ليسكنها الشباك برأسية متقنة فجرت الفرحة في المدرجات وأعادت المباراة إلى نقطة الصفر.
استمر السيناريو نفسه في الأشواط الإضافية؛ استحواذ مغربي خانق وتراجع هولندي تام للدفاع، واستمرار لتألق فيربروخن الذي أجل الحسم إلى ركلات المعاناة والترجيح.
في ركلات الترجيح التي شدت الأعصاب، عاش الجميع دراما حقيقية بعدما أضاع المغرب ركلتين بواسطة العيناوي وأشرف حكيمي. لكن العدالة الكروية أنصفت الطرف الأفضل، حيث أهدرت هولندا ثلاث ركلات عبر كلويفرت وتيمبر، قبل أن يرتدي الحارس المخضرم ياسين بونو ثوب البطل ويصد ضربة سومرفيل الأخيرة بطريقة مميزة، معلنا عبورا تاريخيا ومستحقا
لأسود الأطلس إلى الدور القادم.
في المحصلة، قدمت هذه المواجهة درسا تكتيكيا بليغا في كيفية إدارة الأزمات والعودة في النتيجة تحت الضغط. وإذا كان الحارس ياسين بونو قد وضع بصمته الأخيرة في لوحة التأهل، فإن الفضل الأكبر يعود للقراءة الذكية للمدرب وهبي وثبات المجموعة التي لم تفقد هويتها الهجومية حتى في أحلك اللحظات. هذا التأهل المستحق يمنح الأسود شحنة معنوية هائلة وقاعدة صلبة للبناء عليها في بقية المشوار، بعدما تخلصوا من عقبة أوروبية كانت بمثابة اختبار حقيقي للنوايا والطموحات.















