ليست كل أزمة مهنية سببها ضعف القوانين أو غياب الاعتراف المجتمعي؛ فبعض الأزمات يصنعها أهل المهنة أنفسهم، حين يتخلون عن قيمتها، ويقبلون بممارسات تضعف مكانتهم، ثم يشتكون من تراجع الأسعار وضياع الحقوق .وهذا، للأسف، أحد الأسئلة المحرجة التي ينبغي طرحها اليوم بشأن واقع مهنة الترجمة بالمغرب.
كيف يمكن للمترجم أن يطالب المجتمع باحترام مهنته، بينما يقبل بعض المترجمين بأن تتحول كفاءتهم إلى مجرد خدمة رخيصة تقدمها الوكالات والسماسرة لمن يدفع أقل؟ وكيف يمكن الحديث عن كرامة المترجم واستقلاليته، في وقت أصبح فيه بعض الوسطاء يتحكمون في تدفق الطلبات، ويفرضون شروطهم، ويستفيدون من الفارق بين ما يؤديه الزبون وما يتقاضاه المترجم الذي أنجز العمل فعلًا؟
إن المشكلة ليست في وجود وكالات للترجمة، ولا في التعاون التجاري بين المترجمين ومختلف المؤسسات. فالتعاون مشروع، والوساطة التجارية قد تكون مفيدة عندما تقوم على الشفافية والإنصاف. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا التعاون إلى علاقة غير متكافئة، يصبح فيها المترجم الحلقة الأضعف، ويحتفظ الوسيط بأكبر قدر من الأرباح، بينما يتحمل المترجم مسؤولية الإنجاز والدقة واحترام الآجال.
وهنا يحق لنا أن نتساءل: هل أصبح بعض المترجمين يخدمون مهنتهم، أم يخدمون منظومة تستفيد من كفاءتهم على حساب حقوقهم؟
السمسار لا يصنع الترجمة، لكنه قد يتحكم في سوقها
المترجم هو الذي يوظف معرفته اللغوية والقانونية والثقافية، وهو الذي يتحمل مسؤولية اختيار المصطلحات وصياغة النصوص ونقل المعاني بأمانة ودقة. ومع ذلك، قد يجد نفسه مضطرًا إلى قبول أتعاب متدنية، لمجرد أن الطلبات تمر عبر وسيط يملك العلاقة بالزبون.
والأدهى من ذلك أن بعض المترجمين يقبلون هذه الشروط دون محاولة بناء قاعدة زبائن خاصة بهم أو تعزيز استقلاليتهم المهنية. ومع مرور الوقت، تتحول التبعية إلى واقع يصعب تغييره، ويصبح الوسيط قادرًا على استبدال مترجم بآخر كلما طالب أحدهم بمقابل أكثر إنصافًا.
وهكذا، لا يعود التنافس قائمًا بالضرورة على جودة الترجمة أو خبرة المترجم، بل قد يتحول إلى سباق نحو قبول أقل الأسعار .والنتيجة؟ مترجم يكدح، ووسيط يفاوض، وزبون قد لا يعرف أصلًا من أنجز العمل، وسوق تفقد تدريجيًا توازنها المهني.
الأخطر أن بعض المترجمين يساهمون في إضعاف أنفسهم
لنكن صريحين: لا يمكن أن نحمّل السماسرة والوكالات كامل المسؤولية، ثم نتجاهل دور المترجم الذي يقبل باستمرار شروطًا مجحفة، ويساهم، عن وعي أو عن غير وعي، في ترسيخها.
فحين يقبل أحد المهنيين إنجاز العمل بأتعاب زهيدة لا تتناسب مع طبيعته، فإنه لا يؤثر في دخله وحده، بل قد يساهم أيضًا في خلق توقعات سعرية يصعب على زملائه تجاوزها لاحقًا.
وحين يقبل مترجم بأن يظل مجهولًا لدى زبائنه، وأن تمر جميع معاملاته عبر وسيط واحد، فإنه يمنح ذلك الوسيط قدرة أكبر على التحكم في مستقبله المهني. وحين يصبح الحصول على الطلبات أهم من الحفاظ على قيمة العمل، تتحول المنافسة من وسيلة لتحسين الجودة إلى أداة لاستنزاف المترجمين بعضهم لبعض.
ولعل المفارقة المؤلمة أن بعض من يشتكون اليوم من تدني الأتعاب قد ساهموا، في مرحلة من المراحل، في تكريس هذا الواقع، عندما اعتقدوا أن التنازل المستمر هو الطريق الوحيد إلى الاستمرار.
إن من يقبل بتبخيس عمله باستمرار، لا ينبغي أن يستغرب إذا وجد السوق يومًا ما تتعامل مع كفاءته باعتبارها خدمة لا تستحق إلا أقل الأثمان.
هل أصبح المترجم ضحية السمسار أم شريكًا في اللعبة؟
هذا السؤال لا يراد به إدانة المترجمين الذين يواجهون صعوبات اقتصادية حقيقية، ولا تجاهل حاجتهم المشروعة إلى العمل. فالظروف تختلف من مهني إلى آخر، وليس كل قبول بسعر منخفض دليلًا على ضعف الوعي أو سوء التقدير .لكن الحاجة إلى العمل لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر دائم لتكريس علاقات مهنية غير متوازنة.
فالوكالة التي تستثمر في التسويق وجلب الزبائن تستحق مقابلًا عن خدماتها، شأنها شأن أي مؤسسة تجارية. غير أن هذا المقابل ينبغي أن يكون واضحًا ومتناسبًا مع طبيعة الخدمات المقدمة، وألا يقوم على استغلال حاجة المترجم أو إخفاء معلومات جوهرية عنه.
أما المترجم، فعليه أن يدرك أن خبرته ليست سلعة بلا قيمة، وأن استقلاليته المهنية لا تُمنح له من طرف الوسيط، بل يبنيها بالتكوين المستمر، وجودة العمل، والالتزام، وحسن التواصل، وتطوير علاقاته المهنية المباشرة.
ولا يتعلق الأمر بفرض أسعار موحدة على الجميع، بل بإرساء ثقافة مهنية ترفض الاستغلال، وتحترم حرية تحديد الأتعاب، وتدعم المنافسة الشريفة.
من المسؤول عن إنقاذ المهنة؟
إن استعادة الاعتبار لمهنة الترجمة بالمغرب تتطلب موقفًا واضحًا من المترجمين أنفسهم، قبل انتظار الحلول من الخارج.
أولًا، ينبغي تعزيز الاستقلالية المهنية، وتطوير وسائل التواصل مع الزبائن، وعدم الارتهان إلى وسيط واحد أو جهة واحدة.
ثانيًا، يجب ترسيخ الشفافية في تحديد الأتعاب، وتوضيح مسؤوليات كل طرف، وتجنب العلاقات التجارية التي تجعل المترجم يتحمل المسؤولية كاملة مقابل عائد لا يعكس حجم عمله.
ثالثًا، ينبغي تشجيع التضامن المهني وتبادل الخبرات، بدل الدخول في منافسة غير صحية قوامها تخفيض الأتعاب دون اعتبار لجودة الخدمة أو متطلبات إنجازها.
رابعًا، من الضروري فتح نقاش مهني جاد حول الممارسات التي قد تخل بالمنافسة أو تؤدي إلى إقصاء المترجمين المستقلين، مع الاستناد إلى القوانين الجاري بها العمل، لا إلى الاتهامات العامة أو الأحكام المسبقة.
وأخيرًا، يجب على كل مترجم أن يسأل نفسه: هل أعمل على بناء مسار مهني مستقل ومستدام، أم أكتفي بإنجاز الطلبات التي تصلني، مهما كانت الشروط، ثم أحمّل الآخرين مسؤولية تراجع وضعيتي؟
كرامة المهنة ليست موضوعًا للمساومة
إن مهنة الترجمة ليست مجرد نشاط تجاري هدفه إنجاز أكبر عدد من الوثائق بأقل تكلفة ممكنة. إنها مسؤولية لغوية ومهنية، وقد تكون لها آثار مباشرة على الحقوق والمصالح والمراكز القانونية للأفراد. ولذلك، فإن الدفاع عن قيمتها ليس ترفًا، ولا مجرد مطالبة بزيادة الأتعاب، بل هو دفاع عن جودة الخدمة، واستقلالية المهني، وحقه في الحصول على مقابل منصف عن عمله.
ولا يمكن أن نطالب المجتمع بتقدير المترجم، بينما يسمح بعض أهل المهنة بتحويل كفاءتهم إلى مصدر للربح السهل بالنسبة إلى الوسطاء، على حساب التوازن والإنصاف .فالسمسار قد يجد طريقه إلى السوق، والوكالة قد تنجح في استقطاب الزبائن، لكن المترجم هو الذي يمنح الخدمة قيمتها الحقيقية. وإذا لم يدرك المترجمون قيمة ما يقدمونه، فلن يكون من المستغرب أن يحدد الآخرون لهم قيمته.
والسؤال الذي أتركه مفتوحًا أمام جميع المهنيين:
هل نريد سوقًا للترجمة تقوم على الكفاءة والاستقلالية والمنافسة الشريفة، أم نرضى بسوق يتحكم فيها من يملك الزبون، بينما يبقى صاحب الكفاءة آخر من يستفيد من ثمار عمله؟
إن الدفاع عن المهنة يبدأ بقول الحقيقة، مهما كانت محرجة، ويستمر بالوعي والتضامن والعمل المسؤول.
فلا كرامة لمهنة يساهم أهلها في تبخيسها، ولا مستقبل لمترجم يتنازل عن استقلاليته دون أن يبحث عن سبل استعادتها.















