بعد أيام من الضجة الإعلامية التي أثارها تسريب مجموعة “جبروت” لبيانات زعمت أنها تعود لنحو 70 ألف عنصر من الأمن والاستخبارات المغربية، كشفت تحقيقات معمقة أجرتها مجلة “جون أفريك” و”لوموند” الفرنسية عن ثغرات جوهرية تضعف بشكل كبير مصداقية الرواية التي روّجتها المجموعة.
فالقوائم الأربع التي نُشرت على “تلغرام” يوم 24 غشت، والتي وصفتها بعض وسائل الإعلام الإسبانية بـ”كنز من ذهب”، تبدو، وفق المعطيات المتاحة، مزيجاً من بيانات قديمة ومعلومات إدارية مجمعة من مصادر متعددة، وليست ثمرة اختراق مباشر لأجهزة الأمن المغربية.
مصدر البيانات اختراق مؤسسات تأمين لا أجهزة أمن
يكشف تحقيق “جون أفريك” أن قواعد بيانات المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني لم تُخترق خلال العملية الأخيرة. فوفق مصادر المجلة، فإن المعلومات المنشورة يُعتقد أنها مستمدة من ملفات تتوفر عليها شركة “ساهام للتأمين” والصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي، وهما مؤسستان تتوفران على بيانات إدارية تخص موظفين تابعين للدولة. وتتسق هذه القراءة مع ما ذهبت إليه صحيفة “لوموند” الفرنسية، التي أكدت أن طبيعة المعلومات ترجح أنها جاءت من “خدمة أو برنامج لتدبير الأجور”.
ثغرات في القوائم أسماء متوفين وبيانات تعود لعام 2020
وتُظهر القوائم المنشورة عدة ثغرات تضعف مصداقيتها، أبرزها:
- احتواؤها على أسماء متوفين، من بينهم عبد الحق الخيام، المدير السابق للمكتب المركزي للأبحاث القضائية، الذي توفي عام 2022.
- تقادم البيانات، إذ يعود أحدث تاريخ توظيف وارد في القوائم إلى عام 2020، مما يعني أنها لا تعكس الوضع الحالي لأجهزة الأمن والاستخبارات.
- الخلط بين فئات مختلفة، إذ تخلط اللائحة الرئيسية بين عناصر من المديرية العامة للأمن الوطني وموظفين إداريين من المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، وهو فارق جوهري تجاهلته أجزاء واسعة من التغطية الإعلامية التي اختزلت الجميع في صفة “جواسيس”.
تعامل متحفظ من “لوموند” وإعلام إسباني منقسم
تعاملت صحيفة “لوموند” الفرنسية، التي اطلعت على الجداول الأربعة، مع الموضوع بتحفظ كبير، مؤكدة أنه “يتعذر إثبات أصالة القوائم المنشورة”. في المقابل، انقسمت وسائل الإعلام الإسبانية في تغطيتها، إذ سارعت بعض المنابر إلى تقديم اللائحة باعتبارها كشفاً لقائمة ضخمة من “الجواسيس المغاربة”، بينما تبنى آخرون، وإن بشكل أقل، رواية المجموعة التي وصفت العملية بأنها “هدية لإسبانيا”.
تضخيم إعلامي لاختراق محدود
في المحصلة، يبدو أن تسريب “جبروت” هو، وفق المعطيات المتاحة، عملية اختراق محدودة استهدفت مؤسسات تأمين وليس أجهزة الأمن، وأن حجم البيانات المسربة جرى تضخيمه إعلامياً لخدمة أجندات سياسية في سياق التوتر الدبلوماسي بين المغرب وإسبانيا على خلفية أزمة سبتة المحتلة.
ويظل السؤال الأساسي، كما تطرحه “جون أفريك”، ليس حول وجود ملفات مسربة من عدمه، وإنما حول طبيعة الأشخاص الموجودين فيها، ومصدر البيانات، وتاريخها، ومدى صحة وصف جميع الأسماء الواردة بأنها تابعة للاستخبارات المغربية.














