في مشهدٍ يختصر مأساة جيلٍ كامل من المناضلين المغاربة الذين راهنوا على العدالة ثمناً لحريتهم، يقف أنيس بلافريج اليوم أمام روح رفيق دربه سيون أسيدون، لا ليودّعه فحسب، بل ليواصل معه الحوار الذي لم تقطعه الوفاة.
فالرجل الذي دفع اثنتي عشرة سنة من عمره ثمناً لإيمانه بالحرية، والذي حوّل شيخوخته إلى منبرٍ صارخ في وجه آلة القمع والتطبيع، لم يكن يوماً مجرد اسمٍ في سجلات النضال المغربي، بل كان ضميراً حياً ظل يقظاً حتى اللحظة الأخيرة.
هذه الشهادة، التي يوجهها بلافريج بلغةٍ تنبض بالغضب والوفاء معاً، ليست مجرد رثاء عابر، بل صرخة احتجاج تحمل في طياتها قناعة راسخة لدى كاتبها ولدى كثيرين من رفاق أسيدون: أن الظروف الغامضة التي أحاطت برحيله، والتي لا تزال محل جدل وتساؤل رغم ما خلصت إليه التحقيقات الرسمية، لا يمكن فصلها عن مسار حياةٍ بأكمله كرّسه صاحبها لفضح التواطؤ وتعرية الصمت.
وسواء اتفق القارئ مع هذه القراءة أو اختلف معها، فإن النص يبقى وثيقة إنسانية وسياسية تستحق أن تُقرأ بما تحمله من ألمٍ صادق والتزامٍ لا يلين.
فيما يلي نص الشهادة كاملاً كما كتبها أنيس بلافريج:
أنيس بلافريج .. يخاطب روح سيون أسيدون
أخي،
هكذا كنت تناديني.
اليَدُ الجَبَانَةُ التي اغتالتك في منزلك، مساء ذات يوم سبت من أغسطس 2025، وحاولتْ أن تخفي جريمتها بشكلٍ بائس، كانت تَدْري كَمْ كانَ نَشاطُكَ، المساند بالإرادةِ الشعبية، يُزْعِجُ مَخَطَّطاتِها الخَبِيثَةَ للاسْتِيلاءِ على بِلادِنا.
بَيْنَما كانَ الفِلَسْطِينِيُّونَ، صِغاراً وكِباراً، بالآلافِ، يُسْحَقُونَ بِقَنابِلِ النِّظامِ الصِّهْيونِيِّ، كانتْ سَفائِنُ الحاوِياتِ المُحَمَّلَةُ بِالقَنابِلِ والأَسْلِحَةِ الأَمْرِيكِيَّةِ تَرْسُو في مِينَاءِ طَنْجَةِ المتوسط لِتُزَوِّدَ آلَةَ القَتْلِ الصِّهْيونِيَّةَ، بَيْنَما كانتْ إسْبانِيا المُجاوِرَةُ تُغْلِقُ مَوانِئَها في وَجْهِه.
مُتَحَدِّياً قُوَى القَمْعِ، لَمْ تَكُفَّ عَنْ كَشْفِ هَذِا التَّواطُؤِ المُخْزِي، وَعَنِ الدَّعْوَةِ إلى مُقاطَعَةِ النِّظامِ الصِّهْيونِيِّ الإِبَادِيِّ وَمُلْحَقَاتِهِ في المَغْرِبِ.
نِضالُكَ الدَّؤوبُ مِنْ أَجْلِ العَدالَةِ هُوَ قُدْوَةٌ لِكُلِّ المَغارِبَةِ الوَطَنِيِّينَ، المُتَمَسِّكِينَ بِقِيَمِ السِّيادَةِ والاسْتِقْلالِ الوَطَنِيِّ.
هَذا النِّضالَ السِّلْمِيَّ، خُضْتَهُ في إِطارِ حَرَكَةِ BDS وَفي حَرَكاتِ دَعْمِ الشَّعْبِ الفِلَسْطِينِيِّ، مُنْذُ خُرُوجِكَ مِنَ السِّجْنِ حَيْثُ سُلِبَتْ مِنْكَ 12 عَاماً مِن شَبابِكَ.
اسْتِشْهادُكَ لَنْ يَذْهَبَ هَدَراً.
قَبْلَكَ، تَضَحَّى عَشَراتُ الآلافِ مِنَ الشُّهَداءِ مِنْ أَجْلِ اسْتِقْلالِ المَغْرِبِ وَتَحْرِيرِ فِلَسْطِينَ.
رَحَلْتَ عَنْ هَذِا العالم تَارِكاً وَراءَكَ الإِبادَةَ الجَماعِيَّةَ، والفَصْلَ العُنْصُرِيَّ، والتَّطْهِيرَ العِرْقِيَّ في فِلَسْطِينَ، وَوَضْعَ بِلادِكَ تَحْتَ الوَصايَةِ الصِّهْيونِيَّةِ.
مِنْ حَيْثُ أَنْتَ الآنَ، سَتَعِيشُ فِلَسْطِينَ حُرَّةً، والعالَمَ مُتَخَلِّصاً مِنَ الصِّهْيونِيَّةِ والإِمْبِرْيالِيَّةِ الأَمْرِيكِيَّةِ.
سَلامٌ على رُوحِكَ!
أنيس بلافريج
16 اغسطس 2026















