في صورة تختزل وجع جيل كامل، تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي صورة لفتاة من مدينة العرائش تدعى “فرح”، تطير فرحا وقد رفعت شارة النصر فور وصولها إلى شواطئ سبتة المحتلة، بعد أن قطعت أزيد من خمسة كيلومترات سباحة وسط ظلمات الليل وأهوال البحر.
لم تكن تلك اللقطة مجرد وثيقة لنجاة فردية من الغرق، بل كانت تفجيرا لسجال واسع حول الواقع الاجتماعي والسياسي، واختبارا حقيقيا لمفهوم “الوطن” و”المواطنة” لدى جيل يرى في البقاء هزيمة وفي الرحيل حتى لو كان نحو المجهول انتصارا.
توزعت القراءات الحائمة حول مشهد “فرح” بين شقين؛ الأول اختزل الأمر في مجرد اندفاع شبابي وشغف بمحاكاة صور العبور الشائعة، بينما ذهب الشق التحليلي إلى الغوص في جذور الظاهرة. ولعل النقطة المفصلية هنا لا تكمن فقط في مقارنة القدرة الشرائية أو فارق الحد الأدنى للأجور بين ضفتين، بل تنبع من أزمة أعمق تتجلى في انعدام الأمان النفسي والاجتماعي.
إن من يقرر مواجهة البحر ليلا على قطعة قماش أو بذلة سباحة مطاطية، لا يحركه البحث عن الرفاهية المادية بقدر ما تدفعه الخيبة الممتدة من واقع يشعر فيه بالتهميش والانسداد. شارة النصر التي رفعت فور ملامسة اليابسة كانت بمثابة رسالة اعتراض صريحة تعكس تآكل جدار الثقة بين الشباب ومؤسساتهم المحلية، وتعلن بوضوح أن خيار المخاطرة بالحياة صار في نظرهم أهون من العيش في انتظام بلا أفق.
إن قصة “فرح” ليست حالة فردية، بل هي جزء من موجة جارفة تؤكدها الأرقام الرسمية والميدانية؛ فبين يناير ويونيو 2026 فقط، عبر أكثر من 2493 شخصا نحو سبتة سباحة -بينهم نساء وقاصرون- بارتفاع تجاوز 215% مقارنة بالعام الماضي.
تأتي هذه الأرقام الصادمة والأحزاب السياسية تطرق أبواب المواطنين استعدادا لاستحقاقات شتنبر الانتخابية، داعية إياهم للمشاركة و”تجديد النخب”. لقد أصبحت العملية السياسية برمتها في واد، وتطلعات الشباب ومخاوفهم في واد آخر.
إن الإشكال الحقيقي اليوم ليس في البحث عن حلول أمنية لمنع العبور أو تسييج الشواطئ، بل في طرح السؤال الجوهري الذي يتهرب منه الجميع: كيف تجعل البقاء في الوطن خيارا ممكنا وشريفا بدلا من أن يكون هزيمة؟
لكي نرى شبابنا يرفعون شارة النصر داخل الوطن، نحتاج إلى إعادة بناء الثقة المفككة، وتوفير البيئة التي تحترم العقول، وتضمن حرية الفكر والتعبير، وتمنح للشاب إحساسا حقيقيا بأنه شريك في المستقبل وليس مجرد رقم في معادلة انتخابية تتجدد كل بضع سنوات.
إن صورة “فرح” وهي تبتسم للعدسات بعد العبور هي مرآة ثقيلة يجب أن ينظر فيها الجميع لإجراء وقفة صريحة مع الذات؛ فإذا أصبحت الهجرة سباحة في الظلمات نصرا يحتفل به، فإن الخلل لم يعد في البحر، بل في البر .















