هذه الإفتتاحية ليست تنبؤًا بمن سيقود الحكومة المغربية بعد الاستحقاقات التشريعية المقبلة، لأننا لسنا من هواة قراءة الغيب السياسي، و نؤمن رغم كل شيء بأن الصندوق الانتخابي يجب أن يظل الأداة الشرعية الوحيدة لإفراز من يحكم،
حتى وإن كانت التجربة المغربية قد علّمتنا مرارًا أن كثيرًا من المعادلات الحكومية تُحسم في ردهات لا تشبه قاعات الاقتراع. لكن اسم فوزي لقجع، الذي تحول في الأشهر الأخيرة من مسير كروي ووزير منتدب إلى “ظاهرة سياسية” تتقاطعها التكهنات وتُغذيها التقارير الدولية، يفرض سؤالًا أعمق من سؤال الأشخاص: ماذا يعني، أصلًا، أن يكون المرء رئيسًا للحكومة في مملكة؟
وهنا تحديدًا يصبح استحضار بيدرو سانشيز، رئيس الحكومة الإسباني، مفيدًا لا بوصفه نظيرًا يُقارَن به لقجع في الشخص، بل بوصفه معيارًا يكشف اتساع الهوة بين منصبين يحملان الاسم نفسه في لغتين مختلفتين، لكنهما ينتميان إلى بنيتين دستوريتين متباعدتين كل التباعد.
رئيس الحكومة الإسباني، في النظام الذي أرساه دستور 1978، هو صاحب السلطة التنفيذية الكاملة والفعلية دون منازع. يُنتخب عبر جلسة تنصيب في الكونغرس، ويدير من موقعه السياسة الخارجية والدفاعية والأمنية والاقتصادية للبلاد بلا وصاية مؤسسية موازية،
فيما يقتصر دور الملك على وظيفة رمزية بامتياز يختزلها المثل الدستوري الشهير: “يسود ولا يحكم”.
لا صلاحيات تنفيذية للتاج الإسباني، لا في تعيين كبار المسؤولين الأمنيين والعسكريين، ولا في رسم الاستراتيجيات الدينية أو الجيوسياسية للدولة؛ فتلك كلها بين يدي رئيس الحكومة وحكومته المسؤولة أمام البرلمان وحده.
أما في المغرب، فإن دستور 2011، رغم ما أدخله من توسيع نسبي لصلاحيات رئيس الحكومة مقارنة بدساتير سابقة، لم يُخرج البلاد من صميم البنية الملكية التنفيذية. فرئيس الحكومة، يعين من طرف الملك، و يقترح الوزراء ولا يعيّنهم وحده، وينفذ برنامجًا حكوميًا يظل خاضعًا لمجلس وزاري يرأسه الملك في القضايا ذات الطابع الاستراتيجي، من الأمن الداخلي والخارجي إلى المراجعات الدستورية والتعيينات العليا في المؤسسات الحساسة.
والملك، بصفته أميرًا للمؤمنين، يحتفظ بالسلطة الدينية الرمزية والفعلية في آن، ويظل القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية ورئيس المجلس الأعلى للأمن، فضلًا عن صلاحياته في تعيين السفراء وكبار المسؤولين الأمنيين والعسكريين والقضاة العليا.
بعبارة أخرى، من يشغل منصب رئيس الحكومة بالرباط يدير جزءًا من السلطة التنفيذية، لا كلّها، ويتقاسمها بنيويًا مع مؤسسة الملك التي تظل مصدر القرار في الملفات المصيرية.
من هنا يصبح الحديث عن “حكومة المونديال” التي قد يقودها فوزي لقجع، كما تتداول بعض التقارير والتحليلات، حديثًا يستحق التدقيق لا الانبهار.
فحتى لو تحقق هذا السيناريو، فإن الرجل الذي نجح في تسويق كرة القدم المغربية دبلوماسيًا وقاريًا ودوليًا، لن يرث تلقائيًا صلاحيات تُشبه تلك التي يمارسها سانشيز في مدريد.
سيبقى مقيدًا ببنية دستورية تضع الملفات الاستراتيجية الكبرى، من الأمن إلى الدين إلى التوجهات الجيوسياسية الحساسة، خارج دائرة القرار الحكومي الصرف. وهذا ليس حكمًا على شخص لقجع أو كفاءته، بل هو وصف لموقع المؤسسة التي قد يشغلها ضمن هندسة السلطة المغربية، وهي هندسة لا يُغيّرها صعود فرد مهما بلغت شعبيته أو نجاحاته القطاعية.
وهذا بالضبط ما يجعل المقارنة بين الرجلين أقل أهمية من المقارنة بين البنيتين اللتين يعملان داخلهما. فسانشيز يمكن أن يخسر السلطة غدًا بتصويت حجب ثقة في الكونغرس، لأن السلطة التي يملكها مصدرها البرلمان وحده.
أما من يتولى رئاسة الحكومة بالمغرب، فسلطته، مهما اتسعت شعبيته الانتخابية، تظل محكومة بتوازن آخر لا يحدده صندوق الاقتراع بمفرده.
ولعل هذا الفارق، أكثر من أي مقارنة شخصية بين مسير كروي طموح ورئيس حكومة اشتراكي مخضرم، هو ما يستحق أن يوضع في صلب أي نقاش جاد حول مستقبل السلطة التنفيذية بالمغرب، بعيدًا عن صخب التكهنات وضجيج “الميركاتو” السياسي.















