ليس سهلاً أن تنتهي مرحلة امتدت لعقود داخل الشركة الوطنية للإذاعة و التلفزة دون أن تترك وراءها أسئلة ثقيلة، بعضها مهني، و بعضها سياسي، وبعضها مرتبط بصورة الإعلام العمومي في أعين المغاربة.
فحين يُطرح اسم فيصل العرايشي ضمن لائحة المسؤولين المرشحين لمغادرة مواقعهم، فإن النقاش لا يتعلق فقط برجل عمّر طويلاً في منصب حساس، بل بمنظومة كاملة ظلت لسنوات تتحكم في تفاصيل المشهد السمعي البصري العمومي.
لقد دخل الإعلام المغربي عصر التحولات الرقمية بسرعة غير مسبوقة، بينما بقيت المؤسسة العمومية، في كثير من اللحظات، أسيرة منطق قديم في التدبير والتواصل وصناعة المحتوى.
و بينما كانت المنصات الرقمية تعيد تشكيل وعي الأجيال الجديدة، كان التلفزيون العمومي يفقد تدريجياً قدرته على التأثير، و تراجعت الثقة في نشراته و برامجه، وسط شعور متزايد بأن المؤسسة لم تعد تُنصت بما يكفي لنبض المجتمع.
اليوم، يبدو أن الدولة تتجه نحو لحظة إعادة ترتيب عميقة داخل عدد من المؤسسات الاستراتيجية، و الإعلام العمومي يوجد في قلب هذه التحولات. فالمغرب الذي يراهن على تحديث الإدارة، و تعزيز النجاعة، و ربط المسؤولية بالمحاسبة، لا يمكنه أن يستمر بإعلام عمومي يشتغل بنفس العقليات و الآليات القديمة.
إن ما بعد العرايشي لن يكون امتحاناً لشخص سيخلفه فقط، بل اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على بناء إعلام عمومي جديد: إعلام يملك الجرأة المهنية، و يعيد الاعتبار للكفاءات، و يحترم ذكاء المغاربة، و يستثمر المال العام في صناعة محتوى يليق بصورة المغرب و تحولاته.
لقد تعب الرأي العام من لغة التبرير، و من إنتاج الفرجة الباهتة، و من نشرات لا تعكس دائماً حرارة الشارع و أسئلة المواطنين الحقيقية.
و لذلك، فإن أي تغيير مرتقب لن تكون له قيمة إذا اقتصر على تبديل الأسماء مع استمرار نفس أساليب التدبير و نفس مراكز النفوذ.
الرهان اليوم أكبر من مجرد تعيينات جديدة. الرهان هو استرجاع روح الإعلام العمومي، و إعادة الثقة لمؤسسة يفترض أن تكون مرآة للمجتمع، لا مجرد إدارة للبث و الإعلانات.
وحده المستقبل سيكشف إن كانت المرحلة المقبلة ستشكل فعلاً بداية إصلاح حقيقي، أم مجرد تغيير في الواجهة مع بقاء العمق على حاله.















