في لحظة إستثنائية تقاطعت فيها براءة الطفولة مع شغف الأدب والكتابة ، إحتضن رواق المجلس الوطني لحقوق الإنسان ، ضمن فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب حفل تقديم وتوقيع رواية “رسالة من القرن 14” للكاتبة الواعدة هبة الله العلمي .
وقد شكلت الرواية بالإضافة الى كونها سردا قصصيا ، سفرا زمنيا وجغرافيا يمتد بين القرن الرابع عشر والحادي والعشرين رابطة بين فضاءات المدن المغربية العريقة وخيال الطفولة الذي لا يعرف الحدود، في ملحمة تستعيد أمجاد وتضحيات أعلام الفكر المغربي.

ابن الخطيب: تراجيديا “شهيد الحقيقة” في عيون الطفولة
استهلت هبة الله، الطالبة بجامعة لوزان السويسرية، حديثها بالكشف عن دوافع اختيارها لشخصية لسان الدين ابن الخطيب كمركز لثقل روايتها. فإذ رأت في هذا العالم والوزير والمؤرخ “رمزا للشاعر الذي دفع ثمن الحقيقة غاليا”، فإنها أرادت من خلاله تعريف الجمهور الناشئ بتاريخ المغرب عبر شخصية واجهت ظلما تاريخيا مركبا؛ حيث قتل وأُحرقت مصنفاته، بل أكثر من ذلك قد استخرج جثمانه ليحرق بعد موته بتهمة الزندقة.
واعتبرت الكاتبة أن مأساة ابن الخطيب تشبه إلى حد بعيد قصة ابن رشد، خاصة وأنه أُحرق لكونه “لم يخفِ شيئاً أبدا”، ولتأليفه كتابا في الحب وسمه بـ “روضة التعريف بالحب الشريف”، مما جعل فكره يسبق عصره ويصطدم بتقلبات السياسة.

ومن هذا المنطلق، اختارت هبة الله “الخيال” كصيغة لتوجيه رسالتها، معترفة بأنها كطفلة لا تزال تشعر بنوع من الخجل في طرح المواضيع بصريح العبارة، فكان الخيال بوابتها لتأويل التاريخ وإشراك أقرانها من اليافعين في فهمه.
قراءة حقوقية: الأدب كفعل “ترافعي”
من جانبه، قدم خالد حنفيوي، المسؤول عن الآلية الوطنية للتظلم الخاصة بالطفل، قراءة نقدية معمقة، مصنفا العمل ضمن “الأعمال الترافعية” بامتياز. وأكد حنفيوي أن الرواية نهلت من المادة الأولى للإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تنص على أن “جميع الناس يولدون أحرارا ومتساوين في الكرامة والحقوق”، وذلك من خلال معالجتها لثنائيات الحياة، الحب، والموت عبر شخصيتي “سلمى ورميساء”.
واعترف حنفيوي بأن القراءة لهذه الرواية لم تكن “واجبا مهنيا” بقدر ما كانت “لذة أدبية” دفعته للعودة إلى أمهات الكتب الخاصة بابن الخطيب.
وأضاف: “غالبا ما نضع أنفسنا مكان الموجه والمعلم حين نتعامل مع أدب الأطفال، لكن هبة الله أثبتت لنا أن الطفل المغربي لديه قدرة هائلة على الخلق والإبداع، مما يفرض علينا كراشدين النهوض بهذا الخيال بوصفه أساس كل عمل أدبي وعلمي وفني”.

سليم.. رحلة البحث عن سر الحياة
في تفاصيل الرواية، حاولت هبة الله تجسيد الأحداث عبر شخصية “سليم”، الذي عاش حياة مأساوية بعد فقدان زوجته وإبنته ، ليدخل في صراع وجودي لم يخرجه منه سوى “الصندوق والرسائل” التي بددت عزلته ، ليوصله في نهاية المطاف إلى الحقيقة الكبرى وسر الحياة.
وتؤكد الكاتبة أن تجربتها تشكلت بفضل تأثرها بكتابات عالمية مثل باولو كويلو وتوفيق الحكيم، مشددة على أن الكتاب الناجح هو الذي يطرح الأسئلة أكثر مما يقدم الإجابات. فبالنسبة لها، التاريخ ليس مجرد أحداث انقضت، بل هو فاعل في الحاضر وباعث للأسئلة الفلسفية المعقدة.
رسالة إلى القراء: “من كتب… عاش”
ختمت هبة الله لقاءها برسالة موجهة إلى القراء من القرن الرابع عشر، تحثهم فيها على الطموح لأحلامهم دون قيود، مؤمنة بأن كل طفل قادر على وعي قضاياه وطرحها. وبالنسبة لهذه المبدعة الصغيرة، فإن الشيء الأجمل في كتابة الأطفال هو تلك الدهشة التي يجدها الكاتب نفسه حين يقرأ نصه من زاوية ناقدة، ليكتشف بين الدفات ما لم يعه لحظة الكتابة، مؤكدة على مقولة تختصر فلسفتها: “من كتب… عاش”.















