* فتاح الحيداوي
عندما نتحدث عن اليسار في المغرب، فإننا بالضرورة نتحدث عن بروز وعي سياسي جديد صاحب مرحلة الاستقلال خصوصا في ستينيات و سبعينيات القرن الماضي ،وعي سياسي ساهم بشكل قوي وربما ثوري في بعض المحطات في بروز صراع حاولت قوى اليسار ان توجه بوصلته نحو مفاهيم من قبيل، الديمقراطية،وثقافة حقوق الإنسان ، و إنصاف الطبقة العمالية ، وما الى ذلك من المفاهيم التقدمية.
ولإلقاء المزيد من الضوء على اليسار ومآلاته ،تتقاسم جريدة لوبوكلاج مع قرائها الكرام إمكانية الاطلاع على دراسة قام بها الأستاذ عبد الفتاح الحيداوي تتضمن ستة محاور ، دراسة اختار لها صاحبها من العناوين:( تحولات اليسار المغربي من الراديكالية إلى المخزنة واستشراف آفاق المستقبل )، سنتولى في جريدة لوبوكلاج نشر هذه الدراسة بحسب محاورها الستة تباعا … ( لوبوكلاج)
استشراف المستقبل سيناريوهات اليسار المغربي
يعيش اليسار المغربي اليوم لحظة تاريخية دقيقة تتقاطع فيها أزمات الداخل مع تحولات البنية السياسية والاجتماعية، بما يجعل مستقبله مفتوحا على احتمالات متباينة تتراوح بين التلاشي التدريجي وإعادة التأسيس الجذري. فمنذ تجربة التناوب التوافقي في نهاية التسعينيات، دخل هذا التيار في مسار معقد اتسم بتاكل رصيده الرمزي، وتراجع قدرته التعبوية، وتنامي مظاهر الاندماج في منطق السلطة، وهو ما أفرز وضعا ملتبسا لم يعد فيه اليسار قادرا على لعب أدواره التاريخية كقوة اقتراحية واحتجاجية في الآن نفسه. هذه الوضعية لا يمكن فهمها فقط من زاوية الاختلالات التنظيمية أو الأخطاء التكتيكية، بل ينبغي قراءتها في إطار أوسع يتداخل فيه ما هو بنيوي مرتبط بطبيعة النسق السياسي، وما هو ذاتي مرتبط بقدرة الفاعلين اليساريين على التجدد وإعادة تعريف ذواتهم.
في هذا السياق، يبدو أن أحد أبرز ملامح المرحلة يتمثل في انزلاق جزء مهم من اليسار نحو ما يمكن تسميته ب(التكيف السلبي) مع شروط الحقل السياسي، حيث لم يعد الصراع حول تغيير قواعد اللعبة، بل حول تحسين شروط الاندماج داخلها. هذا التحول أفرغ الخطاب اليساري من مضمونه النقدي الجذري، وحوله في كثير من الأحيان إلى لغة تقنية أو أخلاقية فاقدة للحمولة الإيديولوجية التي كانت تميزه تاريخيا. ومع مرور الوقت، أدى هذا التكيف إلى نوع من التطبيع مع منطق السلطة، بحيث أصبحت المشاركة في المؤسسات غاية في حد ذاتها، بدل أن تكون وسيلة لتحقيق مشروع مجتمعي بديل. في المقابل، لم تنجح هذه البراغماتية في تحقيق مكاسب سياسية نوعية، بل ساهمت في إضعاف المصداقية وتوسيع فجوة الثقة مع القواعد الاجتماعية التي كانت ترى في اليسار صوتا للمطالبة بالتغيير.
تتعمق هذه الأزمة أكثر حين نلاحظ أن اليسار فقد تدريجيا علاقته العضوية بما يمكن تسميته بـ(القاع الاجتماعي)، أي الفئات الشعبية والوسطى التي شكلت تاريخيا حاضنته الأساسية. فقد أدى التحول نحو النخبوية، سواء على مستوى اللغة أو القضايا المطروحة، إلى انقطاع جسور التواصل مع هذه الفئات، التي وجدت نفسها أمام خطاب لا يعكس أولوياتها اليومية المرتبطة بالشغل، والتعليم، والصحة، والعدالة المجالية. هذا الفراغ لم يبق دون ملء، بل استغلته قوى أخرى، بعضها محافظ وبعضها شعبوي، استطاعت أن تقدم نفسها كبديل أقرب إلى هموم المواطنين، ولو بخطابات تبسيطية أو وعود غير قابلة للتحقق. وهكذا، وجد اليسار نفسه في موقع دفاعي، يفتقد القدرة على المبادرة، ويكتفي بردود الفعل أو بالمشاركة الرمزية في النقاش العمومي.
إلى جانب ذلك، تعاني البنية التنظيمية لليسار من أعطاب مزمنة، في مقدمتها التشتت والانقسام، وغياب آليات فعالة لتجديد النخب. فبدل أن يشكل التنوع داخل اليسار مصدر غنى، تحول إلى عامل إضعاف بسبب صراعات الزعامة والخلافات الإيديولوجية غير المنتجة. كما أن شيخوخة القيادات وعدم انفتاحها الكافي على الأجيال الجديدة ساهم في تكريس صورة نمطية عن اليسار كفضاء مغلق، عاجز عن استيعاب التحولات الثقافية والتكنولوجية التي يشهدها المجتمع. ويزيد من حدة هذه الأزمة نزيف الكفاءات، حيث يفضل العديد من الأطر الشابة الانخراط في مجالات أخرى توفر فرصا أكبر للتأثير أو الاستقرار، مما يترك الأحزاب في حالة فراغ فكري وتنظيمي متزايد.
غير أن هذا المسار التراجعي لا يعني بالضرورة حتمية النهاية، بقدر ما يفتح المجال للتفكير في إمكانيات التجدد وإعادة التأسيس. فالتاريخ السياسي يعلمنا أن التيارات الفكرية لا تختفي بشكل نهائي، بل تمر بدورات من الصعود والأفول، وتتجدد حين تنجح في إعادة قراءة واقعها وتكييف أدواتها مع التحولات الجديدة. من هذا المنظور، يمكن القول إن مستقبل اليسار المغربي يظل رهينا بقدرته على إحداث قطيعة مزدوجة: قطيعة مع أعطابه الذاتية، وقطيعة مع أشكال الاندماج السلبي في النسق السياسي.
إن أحد المداخل الأساسية لهذا التجدد يتمثل في إعادة بناء العلاقة مع المجتمع، ليس فقط عبر الخطاب، بل من خلال الحضور الميداني والانخراط في القضايا اليومية للمواطنين. فبدل الاكتفاء بالعمل المؤسساتي أو النضال النخبوي، يحتاج اليسار إلى استعادة دوره كحركة اجتماعية قادرة على تأطير الاحتجاجات وتحويلها إلى مشاريع سياسية.
وهذا يقتضي الانفتاح على التنسيقيات المطلبية، والحركات الشبابية، والمبادرات المدنية، والعمل على بلورة أفق سياسي يجمع بين المطالب الآنية والرؤية الاستراتيجية. في هذا الإطار، يمكن أن يشكل الربط بين القضايا الاجتماعية والاقتصادية وبين التحديات الجديدة، مثل العدالة المناخية والتحول الرقمي، مدخلا لإعادة تعريف المشروع اليساري بشكل يتلاءم مع متطلبات القرن الحادي والعشرين.
كما أن تجديد الخطاب يظل عنصرا حاسما في أي عملية إعادة تأسيس. فالتخلي عن اللغة الخشبية والقوالب الجاهزة لا يعني التخلي عن المرجعية، بل إعادة صياغتها بلغة قادرة على التواصل مع مختلف فئات المجتمع. ويتطلب ذلك تطوير أدوات تحليلية جديدة تأخذ بعين الاعتبار التحولات في بنية الطبقات، وصعود فئات اجتماعية جديدة، وتغير أشكال العمل والاحتجاج. وفي هذا السياق، يصبح من الضروري تجاوز الاختزال الاقتصادي للصراع الاجتماعي، ودمج قضايا الحريات الفردية والحقوق الرقمية والمساواة الجندرية ضمن المشروع التقدمي، بما يعكس تعددية مطالب المجتمع المعاصر.
ولا يقل البعد التنظيمي أهمية عن البعد الفكري، إذ إن أي مشروع للتجديد يظل رهينا بوجود أدوات تنظيمية فعالة وقادرة على الاستمرار.
من هنا تبرز الحاجة إلى التفكير في أشكال جديدة للتنظيم تتجاوز النموذج الحزبي الكلاسيكي، وتستفيد من إمكانيات التكنولوجيا الرقمية في التواصل والتعبئة.
كما أن توحيد مكونات اليسار، أو على الأقل بناء جبهات تنسيقية قوية، يظل شرطاً أساسياً لاستعادة الوزن السياسي، خاصة في ظل نظام انتخابي لا يتيح فرصا كبيرة للأحزاب الصغيرة والمتفرقة. غير أن هذا التوحيد لا يمكن أن يتم فقط عبر اتفاقات فوقية، بل يجب أن ينبني على مشروع مجتمعي واضح، وعلى ثقافة سياسية جديدة تقوم على التعاون بدل التنافس الداخلي.
في المحصلة، يبدو أن مستقبل اليسار المغربي سيتحدد في ضوء قدرته على الإجابة عن سؤال مركزي: هل يريد أن يستمر كفاعل وظيفي داخل النسق القائم، أم يسعى إلى استعادة دوره كقوة تغيير تاريخية؟ إن الخيار الأول قد يضمن له البقاء على المدى القصير، لكنه يكرس هامشيته ويفقده مبرر وجوده، بينما يظل الخيار الثاني محفوفاً بالمخاطر، لكنه يفتح أفقاً لإعادة الاعتبار للمشروع اليساري. وبين هذين الخيارين، يتحدد مصير تيار كان يوما ما في قلب الدينامية السياسية والاجتماعية بالمغرب، وهو اليوم أمام اختبار وجودي سيحدد إن كان قادرا على التحول من ذاكرة نضالية إلى فاعل تاريخي متجدد.
خاتمة عامة
إن دراسة مسار اليسار المغربي تكشف عن رحلة شاقة بدأت من حلم الثورة وانتهت في دهاليز الإدارة. وإذا كانت المخزنة قد نجحت في تدجين جزء كبير من النخب اليسارية، فإن روح اليسار القائمة على التوق للعدالة والمساواة لا تزال نابضة في الحركات الاحتجاجية الجديدة.
إن مستقبل اليسار بالمغرب ليس في استعادة مقاعد برلمانية، بل في استعادة روحه النضالية واستقلاليته الفكرية، ليكون قادرا على صياغة مشروع مجتمعي يتجاوز التوافقات الهشة نحو الديمقراطية الحقيقية.
المراجع المعتمدة
1.الساسي، محمد (2014). اليسار المغربي: من التأسيس إلى أزمة الهوية. الرباط: منشورات وجهة نظر.
2.حمودي، عبد الله (2000). الشيخ والمريد: النسق الثقافي للسلطة في المجتمعات العربية. الدار البيضاء: دار توبقال.
3.بنعلي، عبد القادر (2018). سنوات الرصاص والتحول الديمقراطي في المغرب. بيروت: المركز العربي للأبحاث.
4.وزارة الداخلية المغربية. النتائج الرسمية للانتخابات التشريعية (2011، 2016، 2021).
5.تقارير المندوبية السامية للتخطيط حول الفوارق الاجتماعية والطبقة الوسطى بالمغرب (2020-2023).
6.Bennani-Chraïbi, M. (2021). Partis politiques et protestations au Maroc. Paris: Presses de Sciences Po.















