* فتاح الحيداوي
عندما نتحدث عن اليسار في المغرب، فإننا بالضرورة نتحدث عن بروز وعي سياسي جديد صاحب مرحلة الاستقلال خصوصا في ستينيات و سبعينيات القرن الماضي ،وعي سياسي ساهم بشكل قوي وربما ثوري في بعض المحطات في بروز صراع حاولت قوى اليسار ان توجه بوصلته نحو مفاهيم من قبيل، الديمقراطية،وثقافة حقوق الإنسان ، و إنصاف الطبقة العمالية ، وما الى ذلك من المفاهيم التقدمية.
ولإلقاء المزيد من الضوء على اليسار ومآلاته ،تتقاسم جريدة لوبوكلاج مع قرائها الكرام إمكانية الاطلاع على دراسة قام بها الأستاذ عبد الفتاح الحيداوي تتضمن ستة محاور ، دراسة اختار لها صاحبها من العناوين:( تحولات اليسار المغربي من الراديكالية إلى المخزنة واستشراف آفاق المستقبل )، سنتولى في جريدة لوبوكلاج نشر هذه الدراسة بحسب محاورها الستة تباعا … ( لوبوكلاج)
المخزنة كآلية الاحتواء والتدجين السياسي
يستخدم مصطلح المخزنة في الأدبيات السياسية المغربية لوصف عملية استيعاب القوى المعارضة داخل بنية السلطة التقليدية، بحيث تفقد هذه القوى استقلاليتها وتتحول إلى أدوات لتثبيت الوضع القائم بدلا من تغييره.
نجحت السلطة في استقطاب ألمع العقول والكوادر اليسارية لشغل مناصب سامية في الدولة (مستشارين ملكيين، مدراء مؤسسات عمومية، سفراء). هذا الاستقطاب، رغم أنه قد يفسر كرغبة في الاستفادة من الكفاءات، إلا أنه أدى فعليا إلى إفراغ الأحزاب اليسارية من قياداتها التاريخية القادرة على التأطير والتنظير، وتحويلهم إلى تكنوقراط يتبنون لغة الدولة ومنطقها الإداري الصرف.
تحول العمل الحزبي اليساري في كثير من الأحيان إلى بحث عن التموقع داخل المؤسسات (البرلمان، الجماعات الترابية، المجالس الدستورية). وأصبح الحفاظ على المقعد أو المنصب غاية في حد ذاته، مما جعل القرار الحزبي اليساري رهينا بمدى رضا السلطة، خشية فقدان الامتيازات أو التعرض للتهميش السياسي. هذا النوع من (الريع السياسي) خلق فجوة عميقة بين القيادات المنعمة في رغد العيش وبين القواعد المناضلة التي لا تزال تعاني من التهميش.
حدث تحول جذري في معجم اليسار المغربي؛ فبعد أن كانت مفاهيم مثل (الصراع الطبقي)، (توزيع الثروة)، و(الملكية البرلمانية) تشكل عماد الخطاب، حلت محلها مفاهيم جديدة مثل الاستقرار الماكرو-اقتصادي، المقاربة التشاركية، والتوافق الوطني. هذا التماهي مع لغة الدولة جعل المواطن العادي يجد صعوبة في التمييز بين برنامج حزب يساري وبين توجهات الإدارة المركزية، مما أدى إلى فقدان الهوية السياسية المتميزة لليسار.















