بعد خيبة الأمل المرة في كأس إفريقيا والجدل الصاخب الذي رافق الأداء والنتائج، لم يعد التباكي على “اللبن المسكوب” خيارات متاحا. لقد انتهى عرس إفريقيا بكل انكساراته، ودقت ساعة الحقيقة؛ فنحن اليوم أمام “عد تنازلي” لا يرحم. خمسة أشهر فقط تفصلنا عن المونديال، وهي في عرف كرة القدم ليست إلا “نفسا قصيرا ” يتطلب قرارات سيادية وتقنية حاسمة.
ندخل المونديال القادم بمكانة اعتبارية ثقيلة؛ فنحن رابع العالم في نسخة قطر، واليوم نتربع في المركز الثامن عالميا حسب تصنيف الفيفا. هذه الأرقام ليست مجرد حبر على ورق، بل هي “عقد عمل” يلزمنا بالظهور بمظهر الكبار. لكن، لا يمكن الذهاب للمونديال بـ “أطلال قطر”، فالميدان أثبت أن الهيبة القارية والعالمية تنتزع بالجاهزية الحالية لا بالذكريات الجميلة.
أولى خطوات “ما بعد الخيبة” تبدأ من رأس الهرم التقني. لم يعد هناك مجال للمناطق الرمادية؛ فالمطالب الشعبية بإقالة وليد الركراكي لم تأتِ من فراغ، بل من قراءة فنية رأت “انغلاقا تكتيكيا” لم يعد يخدم طموحاتنا. على الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم الحسم “الآن”: إما تزكية صريحة للركراكي، أو الإقالة الفورية لفتح المجال لربان جديد يملك الوقت الكافي لوضع بصمته.
وفي خضم هذا البحث عن الهوية المفقودة، يبرز اسم طارق السكتيوي ليس فقط كخيار بديل، بل كـ “خيار استراتيجي” يحظى بتأييد منقطع النظير من الرأي العام المغربي. السكتيوي الذي أثبت علو كعبه بتتويجه قبل أسابيع قليلة بلقب كأس العرب مع المنتخب الرديف، وقبله كأس إفريقيا للمحليين، يمتلك “جينات البطل” في جعبته. فتاريخه يتحدث عنه؛ من قنص كأس الكونفيدرالية مع نهضة بركان، إلى تحقيق معجزة كأس العرش مع المغرب الفاسي وهو في القسم الثاني، وصولا إلى الإنجاز التاريخي بإحراز برونزية الأولمبياد. السكتيوي ليس مجرد مدرب، بل هو “مهندس منصات التتويج” الذي يعرف خبايا اللاعب المحلي والمحترف، ويمتلك الكاريزما اللازمة لقيادة “ثورة التصحيح” قبل المونديال.
لحسن حظ الكرة المغربية أن “رحم” المواهب لا يتوقف عن الإنجاب. فبينما كان المنتخب الأول يترنح، كانت كتيبة محمد وهبي (أقل من 20 سنة) ترفع العلم المغربي في سماء الشيلي وتتوج بلقب كأس العالم. العتاب الشعبي الكبير على الركراكي كان “الجمود في التشكيل”، وتجاهل أسماء صنعت التاريخ في مونديال الفتيان، وعلى رأسهم عثمان معما (أحسن لاعب في المونديال)، ياسر الزابيري، وإسماعيل باعوف. إن ضخ هذه الدماء “الذهبية” هو السبيل الوحيد لإعادة الروح لجسد “الأسود”.
المونديال لا ينتظر المترددين. القرار يجب أن يكون جذريا وآنيا؛ فإما التجديد الشامل للعناصر والأفكار بقيادة “رجل بطولات” كالسكتيوي، وإما مواجهة مصير مجهول في أكبر محفل كروي عالمي.















