تحوّل نهائي كأس إفريقيا للأمم 2025 بالرباط من مناسبة رياضية قارية إلى حدث مثقل بالأسئلة والجدل، بعد تداول واسع لأخبار تفيد بوفاة الشاب سفيان المعروفي، أحد العاملين بملعب الأمير مولاي عبد الله، متأثراً بإصابات قيل إنها ناتجة عن اعتداء عقب نهاية المباراة.
وبينما انتشرت هذه الروايات بسرعة كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي، خرج بلاغ رسمي للمديرية العامة للأمن الوطني لينفي بشكل قاطع تسجيل أي حالة وفاة مرتبطة بأحداث شغب رياضي خلال النهائي، مؤكداً عدم مباشرة أي إجراءات معاينة لجثة أو تسجيل وفاة في المؤسسات الصحية ذات الصلة، ومشدداً على أن الأخبار المتداولة “كاذبة ومضللة”، مع إحالة الموضوع على السلطات القضائية المختصة.
هذا التناقض بين ما يُتداول شعبياً وما تؤكده الجهات الرسمية يضع الإعلام والرأي العام أمام معادلة دقيقة بين واجب البحث عن الحقيقة وواجب عدم الانسياق خلف الإشاعة.
فإلى حدود اللحظة، وبالاستناد إلى المعطيات المؤكدة رسمياً، لا يمكن الجزم بوفاة الشاب سفيان في سياق أحداث النهائي، لأن المصدر الوحيد المخول قانوناً بتأكيد أو نفي الوفيات المرتبطة بالشغب الرياضي هو البلاغ الأمني والمؤسسات الصحية والقضائية.
غير أن ذلك لا يمنع مشروعية طرح أسئلة حول ما إذا كانت هناك إصابات فعلية أو نقل لأشخاص في حالة حرجة أو وقائع لم يتم التصريح بها بعد، وهي أسئلة مشروعة صحفياً، لكن الإجابة عنها لا تكون عبر منشورات فايسبوكية ولا عبر “مصادر مجهولة”، بل عبر تحقيق صحفي ميداني و مساءلة مصادر طبية وقضائية رسمية.
قانونياً، لا يمكن الحديث عن شروع في القتل مع سبق الإصرار والترصد إلا بتوفر عناصر دقيقة، في مقدمتها نية إزهاق الروح وليس مجرد الإيذاء، ووجود تخطيط مسبق أو ترصد للضحية، ثم بدء التنفيذ الفعلي للجريمة دون إتمامها لأسباب خارجة عن إرادة الجاني.
وبالتالي فإن مجرد الاعتداء، مهما كان عنيفاً، لا يُصنف تلقائياً شروعاً في القتل ما لم تُثبت هذه العناصر عبر البحث القضائي وليس عبر التوصيف الإعلامي الانفعالي أو الرغبة في تضخيم الحدث.
وفي خضم هذا الجدل، برز خطاب خطير ذهب إلى حد وصف الجمهور السنغالي بـ”المجرم”، وهو توصيف لا يستقيم لا قانونياً ولا أخلاقياً ولا مهنياً. فالجريمة تُنسب لأشخاص محددين لا لهوية جماعية، وحتى المشتبه فيه يتمتع بقرينة البراءة إلى أن تثبت إدانته بحكم قضائي نهائي.
كما أن التعميم في مثل هذه القضايا لا يغذي سوى خطاب الكراهية ويسيء للعلاقات بين الشعوب، ويحوّل حدثاً رياضياً إلى صراع هوياتي لا يخدم الحقيقة ولا العدالة ولا الروح الرياضية.
إن تحويل النكسة الرياضية إلى مأتم وطني قبل التحقق من الوقائع يندرج ضمن ما يمكن تسميته بالتضخيم العاطفي للأحداث، وهو أسلوب يُستثمر لرفع نسب التفاعل لكنه يضر بالحقيقة وبثقة الجمهور في الإعلام.
فالدم المغربي، كما هو ثابت، أغلى من أي لقب كروي أو تظاهرة رياضية، غير أن حماية قيمة هذا الدم تمر أولاً عبر قول الحقيقة لا الإشاعة، والمحاسبة لا الاتهام الجماعي، والاحتكام إلى القانون لا الانفعال والغضب اللحظي.
قضية “سفيان”، سواء ثبتت الوفاة أو نُفيت نهائياً، كشفت هشاشة العلاقة بين السرعة الإعلامية والدقة المهنية والمسؤولية الأخلاقية.
الصحفي ليس قاضياً ولا شاهداً دائماً على الوقائع، بل وسيط بين الحقيقة والرأي العام، وكل انزلاق في التوصيف قد يتحول من خبر إلى فتنة.
وفي انتظار ما ستكشفه التحقيقات الرسمية والقضائية، يبقى الموقف المهني السليم هو التشكيك المنهجي في الإشاعة لا في الضحية، والتريث في الحكم لا التسرع في الإدانة، لأن الحقيقة وحدها هي التي تحمي الضحايا وتصون العدالة وتعيد للرياضة معناها الإنساني النبيل.














