أكثر من ربع قرن والمسؤول الأول عن القطب العمومي الإعلامي بالمغرب يقود دفة مؤسسة يفترض أنها واجهة الدولة في التواصل والإعلام العمومي، غير أن الحصيلة الفعلية لما أنجزه هذا الرجل خلال كل هذه السنوات تطرح أكثر من علامة استفهام.
فالبنايات ما زالت على حالها كما تركها الرواد، دون أن تشهد المؤسسة أي ثورة حقيقية في بنياتها التحتية أو تجهيزاتها التقنية. بينما كان المنتظر أن يتحول هذا القطاع إلى فضاء عصري يعكس طموحات المغاربة و إمكانيات الدولة، اختار المسؤول سياسة الترقيع بدل البناء، معتمداً على استوديوهات يعود تاريخها إلى فترة الاستعمار، مثل استوديوهات عين الشق و التلمساني، و كأن الزمن توقف عند خمسينيات القرن الماضي.
أما المشروع الكبير الذي ظل يلوّح به طيلة سنوات، و المتمثل في إنشاء “مدينة إعلامية” مجهزة باستوديوهات خاصة بكل قناة، فقد ظل حبراً على ورق، تتنقل فكرته بين تمارة و سلا، دون أن ترى النور.
منذ توليه المسؤولية، انتهج الرجل سياسة تفكيك ممنهجة لبنية الإذاعة الوطنية والتلفزة المغربية، فاختفى موقع “مدير الإذاعة” و “مدير التلفزة” من الهيكل التنظيمي الجديد، لتحل محلهما مديريات و قطاعات لا تُحصى، حتى فقدت المؤسسة هويتها المهنية الواضحة.
الإذاعة الوطنية التي تأسست سنة 1928 كرمز للريادة الإعلامية في المنطقة، تحولت إلى مجرد مديريات تقنية و برمجية بلا روح ولا رؤية، بعد أن ألغى المسؤول أقساماً تاريخية كانت تشكل جزءاً من هوية الإعلام المغربي، مثل الجوق الموسيقي و فرقة التمثيل الإذاعي، اللذين كانا واجهة ثقافية و حضارية في المحافل العربية.
في الوقت الذي كانت فيه المؤسسة تُسير بخمسة مدراء فقط (مدير عام، مدير التلفزة، مدير الإذاعة، مدير الموارد المالية و البشرية، و مدير التقنية)، أصبح اليوم في الشركة أكثر من 35 مديراً وأزيد من 65 رئيس قطاع و مثلهم من رؤساء المصالح، بالإضافة إلى مدراء مساعدين و مكلفين بمهمة، كثير منهم بلا مهام فعلية أو قيمة مضافة حقيقية.
هذا التضخم الإداري لم ينعكس إيجاباً على أداء المؤسسة، بل أدى إلى تآكل الكفاءة المهنية و تكريس منطق الولاءات والانتماءات النقابية أو الشخصية، بدل الاعتماد على الكفاءة والخبرة الميدانية.
القطب العمومي اليوم يعيش حالة جمود غير مسبوقة، حيث غابت روح المبادرة و التنافسية، و تراجع الأداء المهني للقنوات و الإذاعات العمومية، رغم الميزانيات الضخمة التي تُصرف سنوياً. و الأدهى أن المؤسسة فقدت صلتها بجمهورها، بعدما كانت في الماضي مرآة للمجتمع و صوتاً لكل فئاته.
لقد تحوّل الإعلام العمومي من فضاء للابتكار و التعبير الحر إلى جهاز إداري متضخم، يستهلك أكثر مما ينتج، و يُدار بعقلية محافظة تُقصي الكفاءات و تُكافئ الولاءات.
بعد أكثر من 25 سنة من التسيير بنفس العقلية، آن الأوان لطرح السؤال الكبير: إلى أين يتجه القطب العمومي المغربي؟
الإصلاح الحقيقي لا يتحقق بالشعارات و لا بالمناورات التنظيمية، بل بإعادة الاعتبار للمهنية و الكفاءة، وتجديد الدماء داخل المؤسسة، وإخضاع المسؤولين للمساءلة حول ما أنجزوه فعلاً و ما أهدر من فرص و موارد في سبيل وعود لم تتحقق.















