الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش لسنة 2025 هو خطاب متكامل في بنيته السياسية والتنموية والرمزية، يجمع بين إشارات قوية إلى الرهانات الداخلية للمغرب، وطموحاته الإقليمية والدولية، ويحمل عدداً من الرسائل الموجَّهة إلى المواطنين، والفاعلين السياسيين، والجيران، والشركاء الدوليين. وفيما يلي قراءة نقدية متأنية ومنصفة لمضامين الخطاب:

أولاً: البعد الرمزي والسياسي للبيعة
الخطاب افتُتح بتأكيد رمزي على “تجديد البيعة” بين الملك والشعب، وهي نقطة دالة على مركزية المؤسسة الملكية في البنية السياسية والدستورية المغربية.
هذا التذكير السنوي يُعزز الشرعية الدينية والتاريخية للملكية، ويرسّخ طابع الاستمرارية والاستقرار.
قراءة نقدية: رغم الطابع الدستوري للمؤسسة الملكية، لا يزال خطاب البيعة يُستثمر لتغليف علاقة الحُكم بصبغة دينية وتاريخية، في وقت يحتاج فيه المغرب إلى ترسيخ تعاقد سياسي حديث قائم على المحاسبة والفصل الفعلي بين السلطات.
ثانياً: تقييم السياسات التنموية والاقتصادية
الخطاب قدّم عرضاً إيجابياً لما تحقق من منجزات اقتصادية وصناعية، مبرزاً:
مضاعفة الصادرات الصناعية منذ 2014.
صعود قطاعات كصناعة السيارات والطيران والطاقات المتجددة.
الحفاظ على نسبة نمو مستقرة رغم الأزمات.
إشادة بانتقال المغرب إلى فئة “التنمية البشرية العالية”.
قراءة نقدية: ما ورد من إنجازات يعكس فعلاً مؤشرات إيجابية في الاقتصاد الكلي، لكن غابت عن الخطاب الإشارة إلى هشاشة سوق الشغل، وتدهور الخدمات العمومية، واتساع الفوارق الطبقية. فالنمو الاقتصادي لا يعني بالضرورة تنمية اجتماعية عادلة، ما دام أثره لا يصل إلى عموم المواطنين، خاصة في القرى والهوامش.
ثالثاً: نقد غير مباشر للأداء الاجتماعي للدولة
الملك عبّر عن عدم رضاه إذا لم تترجم المشاريع إلى تحسين ملموس في حياة المواطنين. ووجه انتقادات مبطّنة إلى استمرار الفقر والهشاشة في بعض المناطق، ما يعني أن سياسات الدولة لم تكن ناجعة بما يكفي في محاربة التفاوتات المجالية.
قراءة نقدية: هذا النقد الملكي يُعيد التوازن إلى الخطاب، ويُسجل تحوّلاً في مخاطبة الدولة لمواطنيها. غير أن الإشكال يظل في أن هذا التوجيه الأخلاقي المتكرر من رأس الدولة لا يجد تفعيلًا مؤسسياً قوياً في السياسات الحكومية، ما يطرح سؤال المساءلة والمحاسبة حول فشل السياسات الاجتماعية، دون تسمية المسؤولين عنها.
رابعاً: دعوة لإصلاح النموذج التنموي الترابي
الخطاب دعا إلى تجاوز “المقاربات التقليدية” نحو “تنمية مجالية مندمجة”، وأوصى ببرامج جديدة تركز على:
التشغيل.
تحسين التعليم والصحة.
تدبير الموارد المائية.
ربط البرامج المحلية بالمشاريع الوطنية الكبرى.
قراءة نقدية: هذا توجه استراتيجي مطلوب، لكنه يتطلب أدوات تنفيذ فعلية، من بينها:
تفويض حقيقي للجهات والسلطات المحلية.
تمويل كافٍ ومهيكل.
شفافية في تدبير الصفقات العمومية.
إشراك المواطنين والمجتمع المدني في مراقبة التنفيذ.
خامساً: التهييء للانتخابات التشريعية
الخطاب أكد على ضرورة الاستعداد الجيد للانتخابات المقبلة واحترام أجندتها الدستورية، مع فتح مشاورات سياسية موسعة.
قراءة نقدية: هذه إشارة إيجابية تُعيد الاعتبار للديمقراطية الانتخابية، لكنها تظل شكلية ما لم تترافق مع ضمانات حول:
نزاهة العملية الانتخابية.
حياد وزارة الداخلية.
تعزيز الثقة في المؤسسات المنتخبة.
توفير مناخ حرّ لممارسة الفعل الحزبي والسياسي.
سادساً: العلاقات مع الجزائر
الملك جدّد دعوته للحوار مع الجزائر، متمسكًا بمبدأ “اليد الممدودة”، ومعتبراً أن لا مستقبل للمغرب العربي دون توافق مغربي-جزائري.
قراءة نقدية: الخطاب حافظ على نفس لهجة التهدئة التي أصبحت تقليدًا سنويًا، لكنه لم يتلقّ استجابة مقابلة من الجارة الشرقية.
وهذا يطرح سؤال الجدوى: هل ما تزال “اليد الممدودة” خطابًا استراتيجيًا أم مجرد رهان رمزي؟
سابعاً: قضية الصحراء المغربية
أشاد الملك بالمواقف الدولية الجديدة (بريطانيا، البرتغال) الداعمة لمقترح الحكم الذاتي، وأكد أن المغرب منفتح على “حل توافقي” لا غالب فيه ولا مغلوب.
قراءة نقدية: الخطاب استمر في ترسيخ الواقعية السياسية للمغرب بشأن الصحراء، وفتح نافذة مرونة، ولكن دون التنازل عن الموقف السيادي.
ومع ذلك، لم يتحدث الخطاب عن المسار الأممي المتعثر، أو عن الدور المطلوب من المجتمع المدني في دعم الموقف المغربي.
ثامناً: البُعد الأمني والمؤسسي
كالعادة، خُتم الخطاب بتحية للقوات المسلحة، وتذكير بروح التضحية الوطنية، واستحضار رمزي للملكين الراحلين.
قراءة نقدية: هذا البعد يُعزّز من صورة الدولة القوية والموحدة خلف العرش، لكنه لا يُغني عن ضرورة الإصلاح السياسي والمؤسساتي العميق، وخاصة في ما يخص استقلال القضاء، وضمان الحريات، وتعزيز حرية التعبير والصحافة.
خلاصة القراءة
الخطاب جاء متوازنًا، بنبرة فيها جزء من المكاشفة وجزء من التعبئة. ونجح في:
✅ تقديم حصيلة اقتصادية إيجابية.
✅ الاعتراف بوجود اختلالات اجتماعية ومجالية.
✅ اقتراح تحولات تنموية جديدة.
✅ تأكيد الانفتاح على الحوار السياسي والدبلوماسي.
لكن بالمقابل، لم يتطرق إلى: ❌ وضع الحريات العامة.
❌ أزمات الثقة في العمل السياسي والمؤسساتي.
❌ مسؤولية الحكومة والأحزاب عن الإخفاقات.
❌ تحديات استقلال القضاء والإعلام.















