في لحظات تاريخية معيّنة، يصبح الخطاب الملكي في المغرب أكثر من مجرد توجيه سياسي أو دستوري؛ يتحوّل إلى منعطف حاسم يعيد ترتيب أولويات الدولة والمجتمع. هكذا كان الأمر في 9 مارس 2011، وهكذا يبدو أن الأمر يتكرر هذه الأيام، ونحن على مشارف خطاب ملكي منتظر يوم الجمعة 10 أكتوبر 2025، في افتتاح الدورة الخريفية للبرلمان.
منذ اعتلائه العرش، جسّد العاهل المغربي محمد السادس دورًا يتجاوز الإشراف البروتوكولي على المؤسسات؛ فهو الفاعل الحاسم في لحظات الشدّة، وصوت العقل الوطني حين تتصاعد التوترات أو تتعقّد المسارات السياسية والاجتماعية.
في 2011، كانت البلاد على وقع رياح “الربيع العربي”، فاختار العاهل المغربي مقاربة استباقية هادئة، عبر خطاب إصلاحي تاريخي فتح الباب أمام مراجعة دستورية عميقة حافظت على استقرار البلاد، ورسّخت مكانة المغرب كحالة استثنائية في محيطه الإقليمي.
واليوم، بعد أربعة عشر عاماً، يعود السياق ليضع الملك في قلب معادلة وطنية جديدة: حراك شبابي واسع يقوده جيل Z، ومطالب اجتماعية ملحّة، ومشهد سياسي يمر بأزمة ثقة غير مسبوقة.
الخطاب الملكي في افتتاح الدورة البرلمانية عادة ما يحدد التوجهات الكبرى للسياسات العمومية، لكنه هذه المرة يأتي في ظرف خاص، ما يجعله محطّ انتظارات شعبية ودولية واسعة.
الملك محمد السادس، بخطاباته الصريحة والجريئة، اعتاد أن لا يكتفي بالتشخيص، بل يفتح مسارات عملية للإصلاح، ويطلق إشارات قوية تُحدث تفاعلاً فورياً في الحقل السياسي والإداري.
العديد من المراقبين يرون أن خطاب 10 أكتوبر قد يشكل بداية مرحلة جديدة من الإصلاحات الاجتماعية والسياسية، وربما لحظة إعادة ترتيب البيت الداخلي من خلال مبادرات ملكية مباشرة في قطاعات حيوية مثل التعليم، الصحة، والتشغيل.
رغم التوترات التي عرفتها شوارع مدن عديدة في الأيام الأخيرة، يلاحظ بوضوح أن جزءاً كبيراً من الرأي العام يعقد آمالاً كبيرة على تدخل الملك.
ذلك لأن التجربة أثبتت أن تدخلات العاهل المغربي كانت دائماً لحظات مفصلية أعادت التوازن للمشهد، سواء عبر إطلاق مشاريع استراتيجية (كالمبادرة الوطنية للتنمية البشرية)، أو عبر إصلاحات سياسية عميقة (كما في 2011)، أو عبر تحريك دواليب الإدارة لمواجهة الاختلالات البنيوية.
جيل الشباب بدوره، رغم احتجاجه وغضبه المشروع، يُبدي احتراماً واضحاً لشخص الملك، ويُحمّله مسؤولية قيادية عليا في الاستجابة لمطالبه، في مقابل تراجع ثقة هذا الجيل في مؤسسات الوساطة التقليدية.
الرهان اليوم ليس فقط على محتوى الخطاب، بل على قدرته على تحويل هذه اللحظة الوطنية إلى دينامية إصلاح متجددة.
الملك، كما عهدناه، لا يكتفي بالكلام، بل يربط القول بالفعل.
وإذا ما تضمن خطاب 10 أكتوبر إجراءات ملموسة، أو رسائل حازمة إلى الحكومة والمؤسسات، فقد يشهد المغرب منعطفاً إيجابياً يفتح صفحة جديدة بين الدولة والمجتمع.
المغاربة تعوّدوا أن تكون اللحظات الصعبة مواعيد مع المبادرات الملكية الجريئة. واليوم، وفي ظل الحراك الشبابي وتحديات المرحلة، يُنظر إلى الخطاب الملكي المقبل باعتباره بوصلة سياسية واجتماعية جديدة، قادرة على إعادة بناء الثقة وتوجيه الطاقات نحو الإصلاح والبناء.
الجمعة 10 أكتوبر لن تكون مجرد مناسبة دستورية عادية، بل قد تكون موعداً مع الأمل، ومع انطلاقة مغرب جديد برؤية ملكية متجددة.
–















