حين يطالب سياسي شعبوي، وهو زعيم حزب إداري، بتأجيل الامتحانات لأن مواعيدها تتقاطع مع بطولة كروية، فذلك في حدّ ذاته مؤشر على سطحية التفكير ومنطق المزايدة الرخيصة.
لكن الأخطر من الطلب هو أن تجد هذه الدعوة صدى لدى وزارة التربية والتعليم، فتسير في الاتجاه نفسه، وتُرحِّل الدراسة إلى ما بعد نهائي كأس أمم إفريقيا، وكأن المدرسة تفصيل ثانوي في رزنامة الدولة.
ما الذي نريد أن نقوله للتلاميذ والأسر؟ إن المتعة الآنية أهم من الاستحقاق الدراسي؟ إن مستقبل الأجيال يمكن تعليقه إلى حين صافرة الحكم الأخيرة؟ إن الدولة، حين تعطي الأسبقية لكرة القدم على حساب التربية والتعليم، لا تُشجّع الرياضة بقدر ما تُقوِّض ما تبقّى من هيبة المدرسة العمومية.
لا أحد يعادي كرة القدم، ولا أحد يُنكر قدرتها على توحيد المشاعر وبث الفرح الجماعي.
لكن الدول الجادّة تحتفي بالرياضة دون أن تجعلها بديلاً عن العقل والمعرفة.
في هذه الدول، تُنظَّم البطولات وتُجرى الامتحانات، لأن التخطيط الرصين لا يرى تناقضاً بين الفرح والمسؤولية.
أما عندنا، فالمشكلة أعمق من بطولة عابرة. إنها أزمة تصور: سياسة تُغازل الجمهور بدل أن تقوده، ومؤسسات تُفضّل السلامة الشعبوية على القرار التربوي الصارم.
والنتيجة واحدة: تعليم هشّ، ورسائل خاطئة، وأجيال تتعلّم باكراً أن الأولويات قابلة للتأجيل… متى علا هتاف المدرجات.
الدولة التي تُعلِّق المدرسة من أجل كرة القدم، لا تُراهن على المستقبل، بل تستهلك الحاضر. ومجتمع بلا تعليم راسخ، مهما فاز بالكؤوس، سيخسر الرهان الأكبر: رهان بناء الإنسان.















