* عبد الرزاق بوغنبور
في إطار الجهود الرامية إلى تحديث السياسة الجنائية المغربية، وتعزيز العدالة التصالحية والحد من الاكتظاظ داخل المؤسسات السجنية، جاء قانون العقوبات البديلة رقم 43.22 كتجربة إصلاحية جديدة تستجيب لمتطلبات النجاعة والإنسانية في تنفيذ العقوبة.

وقد تمت المصادقة على هذا النص القانوني خلال سنة 2023، ونُشر في الجريدة الرسمية بتاريخ 22 غشت 2024، على أن يدخل حيّز التنفيذ ابتداءً من 22 غشت 2025، بعد استكمال المراسيم التنظيمية اللازمة.
يُتيح هذا القانون إمكانية استبدال العقوبات السالبة للحرية، التي لا تتجاوز خمس سنوات، بعقوبات بديلة أكثر نفعًا للمجتمع، من قبيل العمل لأجل المنفعة العامة، أو المراقبة الإلكترونية، أو الخضوع لبرامج التأهيل والإدماج، مع استثناء بعض الجرائم الخطيرة من نطاق تطبيقه. ويهدف هذا التوجه إلى تحقيق توازن دقيق بين ردع الجريمة وإعادة إدماج الجانحين، في انسجام تام مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، وخصوصيات المنظومة العدلية المغربية.
أولًا: السياق العام لإقرار العقوبات البديلة بالمغرب
أتى اعتماد العقوبات البديلة بالمغرب ضمن مشروع إصلاح شامل لمنظومة العدالة الجنائية، في ظل توجيهات الميثاق الوطني لإصلاح منظومة العدالة، الذي نص صراحة على ضرورة تجاوز العقوبات السالبة للحرية القصيرة المدة، واستبدالها بعقوبات تحقق العدالة بطريقة أكثر فعالية وإنسانية.
وقد تم تضمين هذا التوجه في مشروع القانون الجنائي المغربي المعدل، وخاصة المادة 35 وما يليها، حيث تم التنصيص على العقوبات البديلة كخيار قضائي وفق ضوابط وشروط.
ثانيًا: التجليات الأساسية للعقوبات البديلة في القانون المغربي
العقوبات البديلة التي نص عليها المشرع المغربي تشمل ما يلي:
العمل من أجل المنفعة العامة:
يُفرض على الجاني أداء خدمة تطوعية لفائدة جهة عمومية أو مؤسسة ذات منفعة عامة.
يراعي القاضي مؤهلات الجاني وطبيعة الجريمة.
تقييد بعض الحقوق أو فرض تدابير رقابية:
مثل المنع من ولوج بعض الأماكن، أو ممارسة بعض الأنشطة المهنية، أو الالتزام بعدم الاقتراب من الضحية.
المراقبة القضائية الإلكترونية (السوار الإلكتروني)
كحل بديل للاعتقال الاحتياطي أو العقوبات القصيرة.
يسمح بتقييد حرية المتهم جزئيًا مع الإبقاء على وجوده في بيئته الأسرية والاجتماعية.
الغرامات التعويضية والمساهمات الاجتماعية:
تدفع لفائدة صندوق مخصص، بهدف تمويل مشاريع اجتماعية أو تعويض الضحايا.
ثالثًا: الشروط والضوابط القانونية
لا تُطبق هذه العقوبات إلا في الجرائم التي لا تتجاوز العقوبة المقررة لها سنتين حبسًا.
يجب أن يُبدي المحكوم عليه موافقة صريحة على تطبيق العقوبة البديلة.
يمكن للقاضي أن يعيد النظر في العقوبة البديلة إذا أخلّ المحكوم عليه بشروطها.
رابعًا: المؤاخذات والانتقادات
رغم الحداثة النسبية لهذا التوجه، إلا أن هناك عدة مؤاخذات يمكن رصدها:
غياب إطار قانوني مكتمل التنفيذ:
إلى حدود الساعة، لم يتم تنزيل كافة التدابير التطبيقية المصاحبة كالسوار الإلكتروني أو مؤسسات العمل للمنفعة العامة بشكل عملي وواسع.
ضعف البنية التحتية والمؤسساتية:
لا تزال المؤسسات التي يفترض أن تستقبل المحكوم عليهم بالعمل الاجتماعي غير مهيأة بشكل كافٍ.
تردد السلطة القضائية:
عدد كبير من القضاة لا يزالون يميلون إلى العقوبات التقليدية بدافع من ثقافة قانونية محافظة.
غياب التكوين الكافي:
نقص في التكوين الخاص بالقضاة ووكلاء الملك فيما يخص الفلسفة الجديدة للعقوبات البديلة.
غياب إشراك المجتمع المدني:
ضعف واضح في إشراك الجمعيات والمنظمات في تنفيذ العقوبات ذات الطابع الاجتماعي أو التربوي.
خامسًا: مقارنة مع تجارب دولية متقدمة
1. فرنسا:
تعتمد على مبدأ العقوبة التناسبية منذ مدة، مع استخدام موسع للعقوبات البديلة.
تعتمد بشكل فعال على السوار الإلكتروني، وخاصة كبديل للاعتقال الاحتياطي.
يتم إشراك مراكز متخصصة ومؤسسات مدنية في تتبع تنفيذ العقوبات.
2. ألمانيا:
العقوبات البديلة موجهة أساسًا لإعادة الإدماج المجتمعي.
توجد برامج تأهيل مهني وإدماج اجتماعي للمحكوم عليهم بدل الزج بهم في السجن.
السلطات الألمانية تفضل العقوبات المالية والعمل المجتمعي في حالة الجرائم غير العنيفة.
3. السويد:
تعتمد مبدأ “العقوبة الإصلاحية” بدل “العقوبة العقابية”.
تستثمر بكثافة في برامج الرعاية النفسية والاجتماعية كجزء من تنفيذ العقوبة.
لا يُلجأ إلى السجن إلا كحل أخير، وهناك مرونة عالية في تنفيذ العقوبات البديلة تحت إشراف قضائي دقيق.
سادسًا: الآفاق والتوصيات
إصدار النصوص التنظيمية المصاحبة فورًا لتفعيل مقتضيات القانون على أرض الواقع.
تكوين شامل للقضاة والأمن ومؤسسات العمل الاجتماعي حول آليات تنفيذ العقوبات البديلة.
إشراك المجتمع المدني في تنفيذ وتتبع هذه العقوبات.
إحداث هيئة وطنية لتتبع العقوبات البديلة وتقييم نجاعتها بشكل دوري.
الاستفادة من التجارب الأوروبية، وخاصة فيما يتعلق بالبنية التحتية وتنويع البدائل وتدبير ملفات العود.
إن العقوبات البديلة بالمغرب تمثل خطوة متقدمة نحو عدالة أكثر نجاعة وإنسانية، لكنها ما تزال في طور البناء القانوني والمؤسساتي. النجاح في هذا المسار يقتضي إرادة سياسية قوية، وتغييرًا ثقافيًا لدى مختلف الفاعلين في العدالة، مع الانفتاح الجاد على التجارب المقارنة ذات الطابع الإصلاحي.















