أيها المواطن العزيز،
يسرنا أن نعلن لك إطلاق مشروعنا الوطني الكبير: “الإنجاز المؤجل”، وهو امتداد طبيعي لرؤية الدولة في جعل الانتظار أسلوب حياة. المشروع لا يتطلب منك سوى أمرين: الصبر، والإيمان بأن كل شيء قادم… ذات يوم، ربما، أو ربما لا.
لقد اخترنا له مواقع استراتيجية في كل ربوع الوطن: ممرات ترابية معلقة بين الوعد والميزانية، مستشفيات بها كل شيء إلا الأطباء، ومدارس مزينة بلوحات “قريباً سيتم الإصلاح”. نحن لا نبني فقط البنية التحتية، نحن نبني الأمل. المشاريع عندنا لا تُنجز، بل تُحتضن في دفاتر البلاغات، حيث تكبر هناك وتشيخ دون أن ترى الإسمنت.
في هذا المشروع العظيم، مشروع المركزية للمركزية، قررنا أن نواجه الشتات الإداري بسلاح التجميع الأنيق. فبدل أن تتناثر القرارات في الجهات، قررنا أن نعيد كل شيء إلى قلب المركز… ثم نعيده من المركز إلى مركز المركز، حيث يُطبخ كل شيء على نار باردة جداً، تليق بعاداتنا في التروي والانتظار.
الجهوية المتقدمة؟ فكرة جميلة في الكراسات، لكنها تُربكنا حين تتحرك. لذلك اخترنا أن نُعطي الجهات ميزانيات رمزية، واختصاصات شكلية، ثم نُخبرهم أن كل شيء سيُحسم لاحقاً في الرباط… أو في لجنة تابعة للرباط… أو في لجنة تابعة للجنة التابعة للرباط. بهذه الطريقة نضمن أن لا أحد يتخذ قراراً إلا إذا كان من فصيلة المركز، أو على الأقل، يحفظ عنوانه جيدًا.
الجهوية المتقدمة؟ آه نعم، تلك النغمة العذبة التي نُرددها منذ عقود، كما يُردد العاشق وعدًا لا ينوي الوفاء به. نُذكّركم بها في كل خطاب رسمي، نضعها في مقدمة الدساتير، ونُطبعها بخط عريض في المخططات الكبرى… لكن، حين يأتي وقت التنزيل، نُخرجها من الدرج ثم نُعيدها إليه بحنان، لأن الفكرة جميلة… فقط ما دامت بعيدة عن التطبيق.
نقول لكم: “اصبروا، الجهوية آتية”، كما نقول للطفل: “غدًا نشتري لك الدراجة”، مع علمنا أن الغد قد لا يأتي. نحب أن نحلم جماعيًا، لكننا نُفضل أن نحكم مركزيًا. لأن منح القرار للجهات يُشبه توزيع المفاتيح في حفل دون أبواب: تصفيق كثير، وإنجاز معدوم.
فلماذا نُعيدكم بها؟ لأننا نعلم أنكم تحبون الأمل… ونحن نحب إدارة الانتظار. الجهوية عندنا ليست سياسة، بل سلوك لغوي راقٍ… نمارسه بفخر، ونتركه معلقًا مثل زينة دائمة فوق رأس كل مواطن يأمل أن تتغير خريطة القرار يومًا.
أيها المواطن العزيز، كل تلك الإدارات الجهوية، واللجان، والمجالس، والمنتخبين، والعمال، والولاة، والمديريات، ليست عبثاً… أبداً! هي موجودة لتجسيد الجمالية الإدارية، لا الفعالية. نزرعها في كل جهة كما تُزرع الأزهار في الممرات: تُضفي شكلاً حضارياً، لكنها لا تُغيّر مسار الطريق.
نُحدِث مديريات جهوية للوزارات كي تشعر أن الدولة أقرب، ثم نُرسل القرار بالبريد السريع من الرباط، لأن الجهة… ما تزال تتدرّب على المسؤولية. نعيّن مجالس منتخبة لتُدير، ثم نُخبرها أن لا ميزانية، ولا تفويض، ولا حتى مفاتيح للمكتب. فقط اجلسوا، ناقشوا، واحلموا معنا.
نحن نحب أن نُري العالم أننا اخترنا الجهوية… دون أن نخسر المركزية. أن نُقنعك أن لك ممثلين محليين… دون أن نمكّنهم من شيء يُمثّل. لأن القرار حين ينزل من الأعلى، يبدو أكثر جدية. وحين يُصعد من الأسفل، يضيع في سلالم الاختصاص.
أما الميزانية، فهي مثل طبق فاخر في إعلان تلفزيوني: تراه، تشتهيه، لكنك لا تتذوقه. تُعلَن أرقام ضخمة بمصطلحات براقة: “اعتمادات”، “مخصصات”، “برمجة متعددة السنوات”… لكن حين تصل الجهة، تصل فقط الفتات، بالكاد يكفي لشراء حبر طابعة ونفقات القهوة في الاجتماعات.
تُصوّت المجالس على مشاريع كبرى وكأنها دولة مستقلة، ثم تنتظر إشعاراً من العاصمة: “الاعتمادات غير متوفرة، المرجو الصبر حتى إشعار آخر”. وهكذا تتحول الميزانية من أداة للتنمية إلى تمرين في فن الانتظار، ومن وسيلة للإنجاز إلى نشاط رمزي يُزاول كل سنة.
ولأن الضحك خير دواء، يجتمع المنتخبون كل دورة ليضحكوا قليلاً على بنود لا سلطة لهم عليها، ويُصادقوا على أرقام لا يعرفون إن كانت حقيقية أم مجرد زينة تُعرض أمام المواطن، ثم تُخزَّن في أرشيف الحلم الجهوي.
نصيحة أخيرة، أيها المواطن العزيز: لا تأخذ الجهوية بجدية أكثر من اللازم، حتى لا تُصاب بخيبة أمل مزمنة. تعامل معها كما نتعامل مع نشرة الطقس: نستمع، نبتسم، ونخرج بمظلة على كل حال.
لا تسأل كثيراً عن الميزانية، فهي مثل السر المهني: موجودة، لكن لا أحد يعرف من يتحكم فيها بالضبط. وإذا صادفت مسؤولاً يتحدث عن “تنزيل الجهوية المتقدمة”، فهنئه على لغته الجميلة، ثم اسأله: نزلت فين بالضبط؟ لأنك قد تكتشف أن الجهوية نزلت… ثم أخذت أول طائرة عائدة إلى الرباط.
وأخيراً، لا تنسَ أن تبتسم في وجه التنمية، حتى لو لم تصل بعد. على الأقل، نبدو في الصور وكأننا نعيش الحلم الوطني… حتى إشعار آخر.















