حضرات الطلبة، أيها الطامحون إلى الماستر ولو بالحد الأدنى، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته،
أنا عز الدين الميداوي، وزير التعليم العالي ووزير الحِكمة المتدرجة، أطلّ عليكم اليوم لأزفّ إليكم بشرى كبرى: لقد قررنا، بكل فخر واعتزاز وشيء من العشوائية المدروسة، إلغاء امتحانات ولوج الماستر! نعم، انتهى زمن الجهد، والمراجعة، وحجز المقاعد في المكتبات!
لكن، لا تفرحوا كثيرًا… فبدل الامتحانات، سنعتمد على الانتقاء. لا تقلقوا، لن ننتقي حسب المظاهر، بل سنُمعن النظر في النقط، والمعدلات، وربما حتى خط اليد في شهادة الإجازة. القرار جاء بعد تفكير عميق: لماذا نُرهق الطلبة بالأسئلة، ونحن نستطيع أن نُرهقهم بالانتظار فقط؟

نعم، نحن نؤمن بأن الماستر ليس للأنجح، بل للأكثر قدرة على عبور لجان الانتقاء التي، كما تعلمون، تختار بحكمة تشبه نية الوالدة عند قراءة الفنجان.
ولأننا في وزارة التعليم العالي نُؤمن بمبدأ «التعليم للجميع… لكن ليس الآن»، فقد قررنا أن ننتقي خيرة الخيرات من دفاتر النقط، لا من رؤوس الطلبة.
المعدل عندنا مثل لون العيون: إن لم يكن فاتحًا، فلا مكان لك بين النخبة! أما أولئك الذين كانوا يُعوّلون على الامتحان لتعويض سنوات الكسل أو ظلم بعض الأساتذة، فننصحهم بالتوجه فورًا إلى أقرب مقهى للشيشة، أو البدء بمشوارهم المهني في بيع النعناع، فالتعليم العالي لم يعد يُحبّ المفاجآت.
ومن يجرؤ على التشكيك في القرار، فليتذكر أن الانتقاء يتم بـ”أقصى درجات الشفافية”، أي خلف أبواب مغلقة، وبمعايير لا يعرفها حتى واضعوها. هذه هي العدالة في زمن الجودة، حيث “الأحسن” ليس من يدرس، بل من يعرف كيف يكتب رقمه الوطني بخط جميل في ملف التسجيل.
أيها الطلبة الأعزاء، أيها الحالمون بشهادة الماستر كما يحلم الطفل بقطعة حلوى من فوق الرف… يسعدني أن أؤكد لكم أن قرارنا الجريء بإلغاء الامتحانات جاء لمواجهة سرطان الفساد، ذاك الذي تفشّى في بيع الماستر كما تُباع الموزاييك في الأسواق الأسبوعية!
كنا نرى “الماستر مقابل الظرف”، و”النجاح مقابل القُبلة”، فقلنا: كفى! لنحارب الفساد… بفسادٍ أكثر أناقة!
فبدل أن تُباع المقاعد في الخفاء، سنجعل الأمر أكثر تنظيماً: من لديه علاقات، مرحبًا به! من يملك معدلات فقط؟ فليبحث عن واسطة! بهذا القرار، نضمن على الأقل أن لا يتعب أحد في اجتياز الامتحان، ويُحرم بعد ذلك لأن ابن عم المدير احتل مكانه.
الآن، سيتفرغ الجميع للشيء الوحيد الذي ينجح حقاً في هذا البلد: “الكولسة” و”المعارف”، ولنضرب الفساد… بـ”الانتقاء”.
فهنيئًا لنا على هذا الإنجاز العظيم الذي يضع حداً لفساد الماضي، ويفتح أبواب المستقبل… لأقاربنا فقط.
أيها الطلبة الكرام، دعوني أكون واضحاً معكم… لقد تعبنا من تلك التمثيلية السنوية التي تُدعى “مباراة الماستر”، أوراق، أقلام، كاميرات، مراقبون، ثم ينجح من لا علاقة له بالموضوع! فقلنا، لم لا نُريح الجميع ونمشي على المضمون؟
الآن، طريقة الانتقاء ستكون شفافة جداً: نبدأ بأبناء الأساتذة، ثم أبناء المسؤولين، ثم أبناء الجيران ديالهم، وبعدهم أبناء “مول القهوة” اللي كيعطي القهوة فالكلية.
وبعد ذلك ننتقل إلى أصحاب “البارتاج” في الفايسبوك والمناضلين في جمعيات لا أحد يعرف ماذا تناضل!
أما باقي الشعب… فليتفضلوا بالتسجيل في اليوتيوب، فقد صار المستقبل هناك، و”الماستر” الحقيقي هو من يحصد المشاهدات، لا من ينجح في الامتحان.
نعم، ألغينا المباراة، لأننا لا نريد أن نُرهق الحيتان في سباق مع السردين. كلٌّ يعرف مكانه.
ودعوني أضعكم في قلب مرسومنا العظيم… مرسوم شفاف، نقي، طاهر من الشبهات، نزل علينا مثل الوحي، يقول: “يُلغى الامتحان الكتابي لولوج الماستر، ويُعوّض بالانتقاء.”
وما الانتقاء؟ الانتقاء هو فنّ. الانتقاء علم. الانتقاء مهارة لا يتقنها إلا المجربون من أصحاب العيون المجهرية الذين يستطيعون رؤية الموهبة في الاسم الثلاثي، والذكاء في العنوان، والنبوغ في رقم الهاتف.
في هذا المرسوم، لم نعد بحاجة إلى امتحانات تُقلق نوم أبناء الناس، بل نحتاج فقط إلى نظرة واحدة في الملف، نظرة سريعة تقول: “هذا يصلح، وهذا يصلح أكثر، وهذا يصلح بزاف حيث ختو كانت معايا في الكلية”.
هل في المرسوم بند يمنع المحسوبية؟ نعم، موجود. في ديباجة الأخلاق التي لا تُقرأ. وهل فيه بند عن النزاهة؟ طبعاً، لكنه مكتوب بخط صغير جداً، لا يراه إلا من قلبه نقي كقلب مسؤول جامعي قبل المنصب.
مرسوم الانتقاء الجديد لا يُلغي فقط الامتحان الكتابي، بل يُحرر الطلبة من عبء الحبر والورق، ويمنح اللجان الجامعية سلطة مطلقة لا تحتاج تفسيراً. لم يعد مطلوباً أن تُبرهن كفاءتك في امتحان، يكفي أن تبرق سيرتك الذاتية بشيء ما: صورة أنيقة، اسم عائلة يوحي بالوقار، أو عنوان سكن يهمس في أذن اللجنة بأنك من “الناس ديالنا”.
المعيار الآن ليس المعدل، بل الإحساس. هل أحبتك اللجنة من أول نظرة؟ هل استشعر أحد أعضائها أنك مشروع ماستر جيد؟ هذا هو الامتحان الجديد. وأما النزاهة، فهي مكتوبة على الورق، في مكان بعيد عن الطاولة التي توضع فوقها الملفات.
لا أحد ينكر أن هناك قانوناً، لكنه قانون يُقرأ مثل الشروط في إعلانات الجوائز: بحجم صغير جداً، وبلون فاتح.
ولأننا نحارب الفساد، قررنا أن نُخفيه جيداً. لا أكثر شفافية من قرار لا أحد يعرف كيف يُطبق، ولا أكثر عدلاً من لجنة تنتقي كما ينتقي شاعر كلماته: حسب الإلهام.
أبنائي الطلبة، أبناء العم، وأبناء الشعب أيضاً إن تبقّى لهم مكان في الجدول، دعوني أقدّم لكم هذه النصيحة التي تُكتب بماء العلاقات لا الحبر: لا تضيعوا وقتكم في الحفظ والمراجعة. انسوا الليل الطويل والكتب الثقيلة وأقلام التلوين. فنحن الآن في زمن “الملف القوي”، والملف القوي ليس فيه شهادة تفوق، بل فيه شهادة “تعرف من؟”.
نصيحتي لكم أن تبدأوا الآن جولاتكم العائلية: اسألوا من في العائلة يشتغل في الجامعة، أو يعرف أحداً فيها، أو صادف أستاذاً في عرس أو جنازة.
هذه الصلات هي الجسر الوحيد نحو “الماستر المنشود”. وإن لم تجدوا أحداً، ابحثوا في الحي، فربما هناك جار يسلّم على نائب العميد، أو بائع دجاج يعرف سكرتيرة الكلية.
اكتبوا في طلباتكم بصدق وشفافية تامة: “ابن خالي صديق لعضو اللجنة”، “خالتي كانت تُدرّس مادة تشبه الموضوع”، “المدير ديال بابا كيصلي مع رئيس الشعبة”… هذا هو العصر الجديد، عصر الكفاءة الاجتماعية لا الكفاءة العلمية.
أما أن تكتب في سيرتك الذاتية أنك قرأت لكانط أو ابن خلدون، أو أنك درست خمس لغات وشاركت في ندوات، فهذا فقط قد يضعك في خانة “الطلبة المزعجين” الذين لا يعرفون كيف تُدار الأمور.
الماستر اليوم ليس باباً يُفتح بالعقل، بل نافذة يُفتح بها الملف… والملف لا يُفتح إلا بوجه يعرف وجهاً آخر، يعرف وجهاً ثالثاً… إلى أن تصل للجنة الانتقاء، التي لا تنتقي، بل تتلقى.
أما أنتم من الذين لم يُقبلوا، فلا تيأسوا…
أنتم لستم فاشلين، أنتم فقط وُلدتم في التوقيت والمكان والعائلة الخطأ. لا جدّ لكم صديق في الإدارة، ولا خالة لأمّكم كانت تحضّر شاي اللجنة في التسعينات.
أنتم ضحية نظام عادل جداً… عادل لدرجة أنه لا يُميز بين طالب وطالب، بل بين عائلة وعائلة. لا تحزنوا، فلو كنّا في عصر الطبشورة والسبورة، لنصحناكم بالحفظ والمثابرة. لكننا في عصر الانتقاء، والانتقاء لا يهتم بمعدلك، بل يهتم بمن يعدّك!
لا تغضبوا من اللجنة، فهم فقط يدققون جيداً في الخط… خط الهاتف الذي جاءهم قبل الملف. أما أنتم، فمكانكم محفوظ في زاوية “جرب السنة المقبلة”، أو في خانة “راجع علاقاتك قبل أن تراجع دروسك”.
شدوا الهمة… فالماستر لا يُنال بالشواهد، بل بالشواهد على الولاء الاجتماعي. والسرّ ليس في المعدل، بل في من يضع المعدل!















