في ركن من أركان معرض الكتاب الدولي بالرباط، وبين آلاف العناوين التي تغري القارئ بالتصفح والاقتناء، يسطع عنوانٌ يحمل ثقلاً إنسانيًا وتاريخيًا خاصًا: *”المحارب القديم”*، العمل الجديد للكاتب المغربي *توفيق باميدا*، الذي لم يأتِ فقط ليوقع نسخ روايته في نسخته الثلاثين من المعرض، بل ليمنح قرّاءه لحظة تأمل عميقة في ماضٍ بعيد، لا يزال يترك ظلاله على الحاضر.

الرواية، التي كُتبت على شكل *مذكرات*، تستند إلى *أحداث واقعية*، وتجعل من شخصية “بوعزة المنجدي” بؤرةً للذاكرة الجماعية.
بوعزة، الرجل الذي قسَت عليه الحياة في طفولته، يجد نفسه لاحقًا جزءًا من تاريخ أكبر منه، حين تطوّع ضمن الجيش الفرنسي، مقاتلاً في *حرب الهند الصينية*، في تجربة تنبض بالقسوة، الألم، والخذلان.
ما يميز “المحارب القديم” ليس فقط لغتها السلسة ولا التوثيق الدقيق لمرحلة حرجة من تاريخ المغرب وعلاقته بفرنسا، بل تلك الإنسانية المرهفة التي يصوغ بها باميدا حكاية شخص عادي يتحول إلى شاهد على انهيارات كبرى.
ببراعة سردية، ينسج الكاتب تفاصيل الحياة اليومية، والآثار النفسية العميقة التي تتركها الحرب في نفس جندي عائد إلى وطن تغيّر، كما تغيّر هو.

*توفيق باميدا*، بخلفيته الثقافية الغنية وحساسيته تجاه قضايا الهوية والتاريخ، لا يقدّم فقط رواية ممتعة، بل يقدّم وثيقة أدبية تستحق القراءة والتأمل.
هو لا يكتب من أجل الحنين فقط، بل من أجل الفهم، والمساءلة، وربما المصالحة مع ذواتنا ومع تاريخنا.
وسط ردهات المعرض، وقف الكاتب يُوقّع روايته بابتسامة هادئة، وكأنما يقول لكل قارئ يقتني نسخته: “هذه ليست فقط حكاية بوعزة، بل ربما حكايتك أنت، أو حكاية جدّك الذي لم يُروِ كل شيء”.















