احتضن رواق المجلس الوطني لحقوق الإنسان، ضمن فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب، ندوة حقوقية بعنوان: “التنوع الثقافي في سياق الهجرة”. وقد شكلت الندوة منصة حوارية تقاطعت فيها المسارات الإنسانية لثلة من المثقفين مع مقارباتهم الفكرية، ليقدموا من خلال تجاربهم في المهجر رؤى متكاملة للتنوع الثقافي.
طلحة جبريل: “الهجرة ليست عبور حدود أو تغيير عنوان، إنها عبور نحو الذات والآخر، نحو عالم أوسع من جغرافيا الميلاد”.
“حين يغادر الإنسان أرضه يحمل ذاكرة الطفولة ولغة الأم وأحلاما لم تكتمل… وحين يصل إلى أرض جديدة يكتشف أن الهجرة رحلة بحث عن معنى، وأن التنوع الثقافي هو الثمرة التي تنبت في هذه الرحلة”. بهذه الكلمات المعبرة يعيد طلحة جبريل إحياء الماضي بخيباته وآماله، وهو الصحفي والمثقف الموسوعي الذي عاش أكثر من ثلاثين سنة بالمغرب.
يستحضر جبريل بداياته: “جئت إلى المغرب شابا يافعا أحمل حقيبة كتب وأحلام العودة، لكنني وجدت هنا وطناً آخر؛ وطناً يفتح أبواب التنوع، ويجعل من الغريب قريبا، ومن المهاجر شريكا في بناء الحاضر. هذه التجربة تحولت إلى مسار مهني غير مسبوق”.
فالهجرة كما يتصورها طلحة جبريل “ليست مجرد انتقال جغرافي، بل هي انتقال ثقافي بشكل أو بآخر يفتح أبوابا للتنوع والتفاعل”، ويضيف المتحدث: “إنها ليست أرقاما أو سياسات، بل قصص إنسانية تصنع جسوراً بين الثقافات”.
“حين جئت إلى المغرب طالبا سودانيا شبه معدم، لم تكن لدي القدرة المالية لزيارة بلدي، كنت أعيش على المنحة الدراسية، لكن قيادتي لاتحاد الطلبة السودانيين واحتجاجنا داخل السفارة على النظام الشمولي في السودان أدى إلى قطع تلك المنحة”. فجأة وجد طلحة جبريل نفسه مضطراً للعمل ليواصل حياته ودراسته: “كانت البداية متواضعة؛ ترجمة أعمال إنجليزية إلى الصحف العربية”.
ومن هناك انطلقت تجربته المهنية إلى أن تولى رئاسة تحرير خمس صحف مغربية، وهو أمر -كما يصفه جبريل- “لا مثيل له في العالم العربي وفي أفريقيا وأوروبا.. إنها حالة الأخذ والعطاء؛ المغرب منحني وأنا بدوري ساهمت في المشهد الإعلامي”.
يعلق الصحفي حول تجربته: “المغرب بلد استقبال وتنوع حيث تتعايش ثقافات متعددة. تجربتي الشخصية تظهر أن الهجرة يمكن أن تتحول إلى اندماج إيجابي ومساهمة فعلية في الحياة العامة”. وكلما سُئل طلحة عن موطنه إلا وأجاب: “المغرب منحني أغلى شيء في حياتي.. أبنائي، لذلك أفتخر بانتمائي إليهم”.
وخلص المتحدث إلى أن التنوع الثقافي الناتج عن الهجرة يثري المجتمعات ويمنحها قدرة على التكيف والإبداع، أما الإعلام فإن دوره الأساسي يتمثل في مواجهة الصور النمطية، فالصحافي الملتزم هو “الذي يوازن بين الدقة والإنسانية في نقل الحقائق ضمن أبعادها الثقافية”.
عبد الرحيم العطري: “سفري في الأنثروبولوجيا علمني أن أبحث عن الحياة الاجتماعية للأشياء، وأن أتتبع سيرة الأشياء”.
يستهل عبد الرحيم العطري مداخلته بالتأكيد على أن كل واقعة هي “ملتقى لأشخاص متعددين، لحركيات متعددة، لرموز وطقوس قادمة من سياقات أخرى؛ فالسياق هو الكفيل بإنتاج المعنى”.
ويرى العطري أن فهم الهجرة والتنوع الثقافي يحدو بنا للعودة إلى الحكايات التأسيسية، ذلك أن الإشكال في جوهره مفاهيمي: “في الأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا نسعى إلى تحرير المفاهيم، إخراجها مما علق بها من سياسات وأيديولوجيات، والتعامل معها بحياد مطلق”.
ولأجل ذلك، يؤكد العطري ضرورة مساءلة هذا المفهوم الذي “لا يخلو من مفارقات”، لعل أبلغها “مفارقة التسليع” الذي يوظف التنوع الثقافي في كثير من الأحيان “كسلعة سياسية”.
وكما يرى العطري، فإننا نخطئ حين نقدم التنوع الثقافي والهجرة على أنهما مشكلة، عوض أن نعتبرهما -مع طلحة جبريل- “ثراءً يمكن أن نكتشف فيه أوجهنا في المرآة”. “الهجرة ليست مشكلة ولم تكن يوما مشكلة، بل هي إمكان تفاوضي مع الواقع، والإنسان المهاجر يكتب التاريخ؛ إنه يحفز التنوع وينتجه”.
يسترسل العطري في تحليله للظاهرة: “كثيرون حينما يفكرون في الهجرة يعتقدون أن دول المهجر هي الإلدورادو أو الفردوس الجديد”. ويسوق مثال كندا التي “تقدم دفوعاتها للعالم بأنها ميدان اختباري للفسيفساء، وأنها مجتمع ينتصر للتنوع”، غير أن “جون بورتر”، صاحب كتاب “الفسيفساء العمودية”، يفضح هذا الزعم؛ فالبيض والمتحدرون من كندا ودول الشمال -كما يشرح العطري- يوجدون في القمة، بينما يظل في الأسفل أولئك القادمون من دول الجنوب.
يقول العطري: “صحيح أننا في مجتمع فسيفسائي، لكنها عمودية وليست أفقية”.
وفي هذا الصدد، يشير العطري إلى أن النظر إلى التنوع الثقافي بوصفه خلاصة أو نتيجة ينسينا في كثير من الأحيان أصل التنوع الذي جبلنا عليه، و”يفترض في الهجرة أن تكون مختبرا حقيقيا لاكتشاف مفعول هذا التنوع”.
ويشير الباحث السوسيولوجي إلى أن الهجرة، منذ مدرسة شيكاغو، كان ينظر إليها بوصفها مختبرا اجتماعيا يشتغل “كالمِحلال” الذي نقرأ من خلاله المجتمع ونفهم دينامياته: “إنها مرشح (Filtre) يخبرنا بمدى قبول المجتمع لمختلف المكونات”. لأجل ذلك، دعا العطري إلى توسيع أفق فهمنا للتنوع الثقافي ليشمل كل الفعاليات المجتمعية ولا ينحصر في الفنون فقط.
وإذ يؤكد العطري أن عالم اليوم تتغير فيه كل “البراديغمات” بسبب التحول الرقمي، يوضح أن “الفاعل الاجتماعي” لم يعد حكرا على الإنسان: “فالأفكار والأشياء والبيانات تحولت إلى فاعل يساهم في تغيير المجتمع”.
وقد تقاسم الباحث حيرته مع الحضور: “نحن في عالم مبني على التنوع، لكن كيف يمكن تدبيره؟ هنا الإشكال الحقيقي. هل نهيئ سياساتنا العمومية والترابية القادمة لتقبل بالتنوع الثقافي بالمطلق، بدل اختزاله في جوانب لغوية أو فنية ضيقة؟”.














