احتضنت قاعة “الشريف الإدريسي”، ضمن فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب، ندوة فلسفية عميقة بعنوان “أسئلة التفكير في ظل الذكاء الاصطناعي: كيف نفكر في العالم؟” ، شكلت منصة للمساءلة المعرفية حول تقاطع البيولوجيا والتقنية والأنثروبولوجيا.
وناقش المشاركون تأثير الذكاء الاصطناعي على القدرات الذهنية والمعرفية، آخذين بعين الاعتبار حدود تدخل الآلة في تشكيل المستقبل البشري
محمد زرنين: التفكير فعل ذاتي لا يفوض
في مداخلته، أكد محمد زرنين ، أستاذ التعليم العالي والباحث في علم الاجتماع، أنه لمعالجة هذه القضايا لا بد من “الأنثروبولوجيا الأساسية” كمدخل، وهي الأنثروبولوجيا التي تستحضر الإنسان في كافة أبعاده المؤسسة لتاريخانيته وتشكل تطوره العقلي والنفسي والجسدي، معتبرا إياه “مدخلاً مزعجاً لكنه يظل أساسيا”.
وأوضح زرنين أن التفكير في ظل الذكاء الاصطناعي يضعنا في “الآن وهنا” إزاء ماض عريق من التطور الثقافي والبيولوجي والحضاري، بينما يبدو الحاضر مركباً؛ حيث تعد التقنية بيوتوبيات للبشر هي في جوهرها مشاريع علمية ذات طابع فكري.
وشدد على أن “التفكير لا يفوض”، فهو نشاط فردي لا يكون أصيلاً إلا بقدر ما يكون فعل ذات مفكرة، وهي “أنا” واعية لها قصدية، ومريدة لا تنفك ترغب وتحلم، وتقع “بين العقل والجنون، وبين التفكير واللاتفكير، وبين الكلام والصمت”.
كما أشار الباحث إلى أن العلاقة بين التفكير والذكاء الاصطناعي هي علاقة مزدوجة؛ فالتفكير هو إعادة بناء موضوعات رمزية وتذويت ارجاعي للذات المسيطرة على العالم، وهو مسار بدأ منذ تحويل غصن الشجرة إلى أداة وصولا إلى الصواريخ، مما جعل الفصل بين العلم والتقنية غير قائم، وبرز مفهوم الـ “TechnoScience”.
وخلص إلى أن الذكاء الاصطناعي يتقدم اليوم كمشروع “ينافس ويوازي أنشطة العقل والدماغ البشري”، وهنا تكمن النقطة الإشكالية التي تفصل بينها وبين الإنسان ملايين السنين من التطور البيولوجي.
حبيب عبد الرب سروري: نحو اتحاد الذكاء الرمزي والاتصالي
من جانبه، ركز حبيب عبد الرب سروري ، سفير جمهورية اليمن والأديب، على الجانب التقني والمعرفي للآلة، مؤكداً أهمية فهم كيفية اشتغال الشبكات العصبونية والتعلم العميق، حيث “هناك شبكة عصبونات ترتبط بعلاقات تضعف أو تقوى في ظل التكرار”.
وميز سروري بين نوعين من الذكاء الاصطناعي: أولهما “الرمزي” الذي ظهر منذ 1956 واعتمد على العلوم الذهنية والاستنباطية، والآخر “الاتصالي” الذي ظهر حديثا كطفرة تكنولوجية.
وتوقع الباحث أن هذين النموذجين، وبالرغم من انفصالهما حاليا، سيتحدان في غضون العشر سنوات القادمة لتشكيل نوع من “الوعي الذاتي”.
واختتم سروري بالإشارة إلى أن قوة الذكاء الاصطناعي تكمن في ملكته المتفردة على الربط بين مجالات متنافرة وآفاق نظرية متباعدة “يستحيل أن يفكر فيها الإنسان” بمفرده، مما يفتح أفقا جديدا للعلاقة بين العقل البشري ومنتجاته التقنية.















