* علي بوعبيد
في المغرب، أدى احتواء الأحزاب السياسية إلى نقل ساحة المعارضة إلى مكان آخر. ففي الماضي، كان القمع يستهدف المناضلين المعارضين ووسائل إعلامهم، الذين كانوا يعلنون بوضوح عن انتماءاتهم الإيديولوجية. أما اليوم، فقد أصبح يطال الصحفيين القلائل الذين لا يدينون بالولاء إلا للمعلومة.
لقد اختفت الصحافة الحزبية إلى حد كبير، وفي فضاء عام أُفرغ من حيويته وأُحكمت السيطرة عليه، أصبح الإخبار والتحليل والنقد، حتى عندما يكون حادًا، وفقًا لما تسمح به أخلاقيات المهنة في الديمقراطيات، فعلًا من أفعال المقاومة.
فالصحفي الذي يرفض أن يكون مجرد بوق أو قلم مأجور يجد نفسه وحيدًا، لا يملك سوى سلاح حرية الكلمة.
وهذه الحرية هي مصدر قوته، لكنها أيضًا مصدر هشاشته؛ إذ إن دفاعه عن حقه في التعبير الحر قد يدفعه إلى تقمص دور لم يختره لنفسه.
وهذا بالضبط ما حدث مع علي المرابط، الذي لا تُعد قضيته، للأسف، حالة معزولة.
لقد كان علي المرابط صحفيًا قبل كل شيء، ولم يدّعِ يومًا انخراطًا نضاليًا سوى دفاعه عن حرية التعبير.
لكن، ومع توالي ما يعتبره الكاتب ممارسات تعسفية ضده، انتهى به الأمر، رغمًا عنه، إلى أن يبدو في هيئة معارض للسلطة، في حين أنه لا يعدو أن يكون صحفيًا يرفض الصمت.
وهكذا تحولت حريته في التفكير، وهي قيمة ثمينة في بيئة لا تسعى إلا إلى إرضاء أصحاب النفوذ، إلى موقف يزعج السلطة.
إنها مفارقة قاسية: فبينما كان يريد أن يظل مجرد صحفي، جعلته الضغوط يبدو وكأنه “مناضل سياسي”. مناضل لم يختر هذا الدور، بينما يحمّله خصومه، الذين يدافعون بدورهم عن الوضع القائم، مسؤولية مختلف الاختلالات من دون أن يقدموا أدلة على ذلك.
هو يدافع عن حقه في الجرأة وإثارة الأسئلة، بينما يدافع خصومه عن رفض الشك. وهنا يكمن جوهر المشكلة: هل يمكن أن تقوم حرية التعبير في فضاء يهيمن عليه خطاب واحد يخنق كل نقاش؟
ومن دون أن نتبنى بالضرورة جميع تحليلات علي المرابط، لا يسعنا إلا أن نحيي ما يمنحه قوته: تمسكه العميق بحرية القول باعتبارها شرطًا غير قابل للمساومة لممارسة مهنة الصحافة.
لكن أن يُضطر إلى دفع هذا الثمن من أجل ممارسة مهنته، فإن ذلك يعكس، في نظر الكاتب، واقعًا غير مشرف للفضاء العام.
في الحقيقة، تعكس قضيته، بصورة معكوسة، عجزًا جماعيًا عن التعايش مع متطلبات حرية الصحافة، بما في ذلك ما قد يصاحبها من تجاوزات. فالسؤال الحقيقي ليس ما إذا كان متطرفًا في مواقفه، بل لماذا تُجبر الكلمة الحرة في المغرب على أن تتحول إلى معارضة حتى تتمكن من الوجود. وهذا الواقع، في الحقيقة، لا يدعو إلى الفخر؛ إذ إن مجرد المطالبة بحرية التعبير لا ينبغي أن يكون دليلًا على رجاحة الفكر، لكننا وصلنا إلى هذه المرحلة.
لقد اختار علي المرابط الوفاء لقيم مهنته بدل الخضوع لمنظومة لا تتسامح إلا مع الأقلام المسايرة.
وربما يكشف هذا الالتزام الشخصي، بصورة غير مباشرة، عن الحاجة الملحة إلى إعادة بناء فضاء عام تستطيع فيه المعلومة والنقد، حتى وإن كانا حادين، أن يمارسا بحرية، من دون أن يُنظر إليهما باستمرار على أنهما شكل من أشكال التمرد.
علي بوعبيد – 16 يوليوز 2026















