بعد سنوات قليلة من تأسيسها قبل أكثر من عقدين من الزمن شرعت تلفزة العيون الجهوية في انتاج أفلام وثائقية تعتمد على المحاكات او التمثيل ثم الافلام القصيرة وصولا الى المسلسلات باللهجة الحسانية، الغرض منها هو احياء التراث اللامادي الحساني. الا ان جل انتاجها تغلب عليه ملاحظتان الأولى هي تكريس النظرة الدونية لذوي البشرة السوداء او السمراء عموما مقارنة مع ذوي البشرة البيضاء من خلال توزيع الأدوار التمثيلية، والثانية هي انه ولحد الان لاتزال اللهجة الحسانية المستخدمة هزيلة على مستوى الأداء اثناء التمثيل، وفي هذا المقال سأبسط الملاحظة الأولى على ان اخصص مقالا اخر للملاحظة الثانية.

بالنسبة للبرامج الحوارية والبرامج التي تعتمد على تمثيل بعض المشاهد للإنسان الصحراوي اثناء فترة البداوة او حتى فترة التمدن، فتجد ان الأدوار الهامشية يقوم بها غالبا ذوي البشرة السوداء او السمراء مثل دور الخادم/الصانع؛ مثلما يظهر في اغلب حلقات برنامج “ليالي لفريك” الذي يظهر ذوي البشرة السوداء على شكل خدم يصنعون الشاي خلف مقدم البرنامج وضيوفه، أو يقومون ببعض الاعمال الحرفية او المنزلية دون المشاركة في الحديث، وهو ما يجعل المشاهد يحس بنوع من الطبقية : الأسياد في المقدمة يجلسون ويتحاورون و”العبيد” و”والصناع” يخدمونهم.
نفس الشيء تقريبا ينطبق على برنامج “غاب وجاب” يجد المشاهد نفسه امام دور بارز لذوي البشرة السوداء في الاعمال التي كان يقوم بها “العبيد” في المجتمعات الإقطاعية مثل دور السارح راعي الإبل او الغنم والقائم بالأشغال اليدوية او العضلية مثل جمع الحطب وصناعة الشاي، والطامة هي انهم هم من يقوم بدور الشرير او الحاقد او الحسود ( حلقات رمضان 2025 اغلب الأدوار التي قامت بها الممثلة الصاعدة جميلة دامي من مدينة السمارة وهي حاصلة على عدة جوائز وطنية ومن اقدم الممثلات الصحراويات)،
اما الطامة الكبرى فهي ان تجد شخصا اسودا قام بدور معين في فيلم او مسلسل بدون اسم “نكرة” مثل ما حصل في مسلسل “كرفاف 2025” حيث كان هناك دور هامشي لشخص من ذوي البشرة السمراء وتمت تسميته “مسعود” وهو اسم ذو حمولة سيكولوجية ثقيلة بالنسبة لمن يعرف الثقافة واللهجة الحسانية تحيله مباشرة على سيل من الأسماء التي كان تعطى للعبيد، اما زوجته والتي ظهرت في اكثر من حلقة فلم تجد من يعطيها اسما؛ حتى انه في الجنيريك تجد ان المخرج نعتها فقط ب”زوجة مسعود” مع ان الممثلة التي قامت بالدور هي تسلم الديه احدى الفنانات البارزات من مدينة بوجدور وحاصلة على عدة جوائز وطنية.
اما بالنسبة للمسلسلات فيجد المشاهد نفسه امام سيل جارف من نفس المشاهد المتكررة لنفس المقاربة، ولعل في مسلسل “سريسر ذهبو” احسن مثال على ذلك؛ خصوصا انه يعتبر أضخم انتاج تقريبا للقناة سنة 2007، و يعتبر من اهم المسلسلات التي ركزت على الرواية الشفهية الحسانية التي تعتبر صلب تلك الثقافة اثناء مرحلة البداوة؛
وهي رواية شفهية مغاربية بامتياز وتحكى أيضا بالأمازيغية، وعلى الرغم من ان الحكاية الأصل تنحو الى أن “سريسر ذهبو” كانت على سعة من الجمال الأسمر وليس الجمال الأبيض إن صح التعبير لتقريب الصورة فقط وليس من باب التمييز الا ان سيناريو وإخراج المسلسل ذهب لعكس ذلك تماما؛ من خلال ايعاز دور “الخادم” الماكرة والحسدوة للممثلة “خادم الله أبا” بل تمت تسميتها في جينيريك المسلسل فقط ب “دويدة”،
ودور البطلة “سريسر ذهبو” لفتاة صحراوية بيضاء اللون وهي الممثلة الممتازة فتيحة بومكوت، ودور الصانع للممثل الممتاز “عبد القادر الكنتي”، بينما لم يمنح أي اسم لزوجته التي ظهرت اكثر من مرة وفي اكثر من حلقة وقد قامت بالدور الممثلة “تسلم الديه” ليتكرر عليها نفس المنهج الإقصائي في مسلسل “كرفاف” لسنة 2025، وبذلك يكون هذا المسلسل الشيق والممتع قد اثبت قد اثبت مرة أخرى ان انتاج تلفزة العيون ل”سريسر ذهبو” ذهب عكس الرواية تماما بحيث جعل اللون الأبيض لون الجمال و حسن النية والرحمة،
وجعل من اللون الأسمر رمزا للثرثرة والغيبة و النميمة مع ان ممثليه صناع وحرفيون يمثلون عصب الحياة المعيشية و الاقتصادية للمجتمع ليس فقط البدوي وانما حتى الحضري، بينما جعل من اللون الأسود رمزا للقبح وسوء النية والظلم والجور والبغض والحسد والقسوة، كل ذلك رغم سابق معرفة صانعي ومنتجي المسلسل بان المجتمع البدوي الصحراوي لم يكن يعير لون الجلد ذات الأهمية.
يبدو ان نظرة المشرفين على اخراج وإنتاج الأفلام والمسلسلات بالحسانية بتلفزة العيون الجهوية الى اللون الأسود تتماشى و تتماهى مع مفهوم “تراب البيظان”، الذي يعتبره اغلب الدارسين على انه المصطلح الأنسب لتسمية المجال الصحراوي جنوب واد نون وهو مصطلح يعني لغة “البيض”،
واصطلاحا يشار به الى سكان جنوب واد درعة حتى نهر السينغال وشرقا حتى تمبكتو، كما انه أيضا صار مفهوما لأسلوب حياة معين (يمكن ان يكون شخص ما لونه اسود او اسمر غير ان حسن معرفته بالحسانية ومفاهيمها واسلوبه في الحياة يجعلان منه “بيظانيا”)، وهي تسمية في حد ذاتها اقصائية بامتياز لذوي البشرة السوداء والسمراء الذين يمثلون نسبة تمثل اكثر من النصف وذات أهمية كبيرة ليس فقط في الحياة المعيشية للبدو سابقا ولكن لاستمرارها لحد الان في القيام بممارسة وحفظ الطقوس الشعبية والفلكلورية الصحراوية.
ان هذه النظرة وان كانت غير مقصودة وغير ممنهجة لهي امر مثير للاستغراب والحيرة والتعجب، والاغرب من ذلك كله ان اغلب الدارسين والمهتمين والفاعلين من المثقفين الصحراويين بل وحتى ممثلي جمعيات حقوق الانسان لم يلاحظ او يكتب او يتحدث عن هذا الامر على حد الان في حدود معرفتي واطلاعي.














