أعلن عزيز أخنوش عن عدم ترشحه لولاية ثانية على رأس التجمع الوطني للأحرار، في خطوة بدت، في ظاهرها، قرارًا شخصيًا هادئًا، لكنها في عمقها تفتح أسئلة سياسية أكبر من صاحب القرار نفسه.
لم يكن أخنوش، في نظر كثيرين، سياسيًا بالمعنى الكلاسيكي للكلمة.
كان رجل أعمال دخل السياسة محمولًا على شبكة مصالح، لا على مشروع فكري أو قدرة تواصلية.
رجل لا يجيد الخطابة، ولا يمتلك ناصية الارتجال، ويبدو في خرجاته وكأنه يتهجّى السياسة حرفًا حرفًا.
هذا الضعف في التواصل لم يكن عائقًا، لأن من استفادوا من ثروته ونفوذه كانوا يدركون جيدًا أن “الأمية السياسية” قد تكون أحيانًا رأس مال إضافيًا في لعبة التحكم.
خلال سنواته في الواجهة، بدا أن المال كان لغته الأساسية. اشترى كل شيء تقريبًا: الصمت، الولاءات، المساحات الرمزية، كما اشترى الماء والسماء والأكسجين.
حتى الصحافة لم تسلم من منطق السوق، ولا الأمازيغية من محاولات التوظيف الرمزي، حيث تحولت قضايا الهوية واللغة إلى أدوات تلميع لا إلى التزام سياسي حقيقي.
قرار المغادرة، رغم كل شيء، يحمل جانبًا إيجابيًا. فخروج رجل بهذه المواصفات من الواجهة الحزبية قد يخفف من ثقل الخلط بين المال والسياسة.
لكن السياسة المغربية علمتنا أن وراء كل “انسحاب” ما وراءه. فالوجوه قد تتغير، بينما تبقى البنية نفسها، وتستمر الأدوار من مواقع أخرى أقل صخبًا وأكثر تأثيرًا.
التجمع الوطني للأحرار ليس حزبًا نشأ من رحم المجتمع، بل كيان صُنع في سياق إداري معروف، منذ زمن الحسن الثاني.
ومن الطبيعي أن تبقى “صنيعة الإدارة” وفية لوظيفتها الإدارية، مهما تغيّر من يتصدر المشهد.
لذلك، فإن غياب أخنوش قد يخلّف “يتامى سياسيين”، لكن الصانع لا يتخلى عن صنيعته؛ بل يعيد توزيع الأدوار ويمنحها أشكالًا جديدة.
لن يختفي أخنوش من تدبير الشأن العام. سيظل حاضرًا بشكل أو بآخر، لأن من اعتاد تدبير العام كأنه خاص، يصعب عليه مغادرة دوائر التأثير. المشكلة، في العمق، ليست في السياسة نفسها، بل في من يُختارون لإدارتها: في تحويلها إلى ملحق للاقتصاد، وفي اختزالها في حسابات الربح والخسارة، لا في الرؤية والمسؤولية.
رحيل أخنوش عن قيادة الحزب ليس نهاية قصة، بل فصل جديد من سؤال قديم:
هل نحتاج إلى تغيير الأشخاص، أم إلى تغيير منطق اختيار الأشخاص؟















