مرة أخرى، تكشف الدولة عن أسوأ ما في تدبيرها حين يتعلّق الأمر بحقوق الشغيلة.
أكثر من شهرين مرّا على انتهاء الولاية القانونية للجنة المؤقتة للمجلس الوطني للصحافة، ومع ذلك ما تزال أجور الموظفات والموظفين والأطر الإدارية عالقة، بلا سند، وبلا تفسير، وبلا قرار.

حالة شاذّة تُدار بالصمت، وتُبرَّر بالفراغ، ويُدفع ثمنها من جيوب وكرامة العاملين.
الخلط المقصود بين أعضاء لجنة مؤقتة انتهت ولايتها وبين إدارة قائمة تؤدي مهامها اليومية ليس خطأً تقنيًا، بل تهرّب سياسي وإداري فاضح.
الإدارة لم تتوقف، والمهام لم تُعلّق، والمسؤوليات لم تتبخّر. وحدها الأجور هي التي “تاهت” بين المكاتب، وكأن قوت الناس تفصيل ثانوي.
من المسؤول؟
المسؤول الأول هو رئيس الحكومة عزيز أخنوش، بوصفه رأس السلطة التنفيذية، والضامن لاستمرارية المرافق العمومية وحماية الحقوق الاجتماعية.
لا يمكن لحكومةٍ تدّعي “النجاعة” أن تقبل بتجميد أجور موظفين لأن لجنة انتهت ولايتها.
هذا منطق عبثي يفضح ضعف القيادة وتفكك القرار.
ثم تأتي المسؤولية المباشرة لوزير الثقافة والشباب والتواصل محمد المهدي بنسعيد. وزيرٌ يتحدّث كثيرًا عن الإصلاح والتحديث، لكنه يصمت حين يُسحق العاملون في قطاعه.
أين القرار الاستثنائي؟ أين الحل الإداري العاجل؟ أين الحدّ الأدنى من التضامن السياسي مع أطرٍ تُركت بلا دخل؟ الصمت هنا ليس حيادًا، بل مشاركة في الضرر.
إن ما يجري ليس نزاعًا قانونيًا معقّدًا، بل تقاعسٌ إرادي. الدولة تعرف كيف تُسرّع المساطر حين تريد، وتعرف كيف تُصدر قرارات انتقالية حين تكون هناك إرادة.
لكنها اختارت هذه المرة أن تُدير ظهرها لمن يخدمون المرفق العام، وكأنهم أرقام قابلة للتأجيل.
الأخطر أن هذا العبث يضرب مصداقية تنظيم قطاع الصحافة برمّته. كيف تُطالب الدولة بالإصلاح، والاستقلالية، والحكامة، وهي تعجز عن صرف أجور إدارة قائمة؟ كيف تُحاضر في أخلاقيات المهنة، بينما تُداس أخلاقيات الدولة في أبسط واجباتها؟
إن استمرار هذا الوضع هو فضيحة سياسية وأخلاقية. والمطلوب ليس بيانات تبريرية، بل قرار فوري بصرف الأجور، وتحميل المسؤولية لمن تسبّب في هذا الضرر.
غير ذلك، فالحكومة، ومعها وزير التواصل، يثبتان مرة أخرى أن خطاب الإصلاح لا يصمد أمام اختبار العدالة الاجتماعية.
الكرامة لا تُعلّق، والأجور لا تنتظر، ومن يعجز عن حماية حقوق العاملين لا يملك أهلية الحديث عن إصلاح الإعلام.















