في الأول من ماي من كل عام، تحتفل شعوب العالم بيوم العمال العالمي، تلك المناسبة التي ولدت من رحم النضال والتضحية بدماء الشهداء. فقد انبثق هذا اليوم من أحداث إضراب “هايماركت” الدامية في شيكاغو عام 1886، حين انتفض آلاف العمال مطالبين بحق إنساني بسيط: تحديد ساعات العمل بثماني ساعات يوميا. انتهت تلك الاحتجاجات المشروعة بمجزرة وقمع وحشي، وصولا إلى إعدام قادة الحركة العمالية، لتتحول ذكراهم الأليمة إلى شعلة ورمز عالمي للنضال الأبدي من أجل حقوق العمال وكرامتهم الإنسانية.
تطور فاتح ماي على مر العقود ليصبح محطة عالمية، ليس فقط للاحتفاء بما تحقق من مكتسبات للطبقة العاملة، بل الأهم، للتذكير الصارخ بالتحديات الجسيمة التي ما زالت تخيم على واقعهم. لقد ارتبط هذا اليوم في التاريخ النضالي للشعوب بشعارات العدالة الاجتماعية، والمساواة، وتحسين ظروف العمل، وتكريس الحق النقابي كأداة للدفاع عن المظلومين. كان فاتح ماي، وسيظل، فرصة لتقييم واقع الطبقة العاملة، وتجديد العزم على مواصلة النضال من أجل غد أقل ظلما وأكثر إنصافا.
وإذ نقف اليوم أمام فاتح ماي 2025 في المغرب، نجد أنفسنا أمام مشهد يجسد بمرارة مقولة “من يملك القوة يملك الحقيقة”. فالواقع المغربي المعيش يكشف عن اختلال عميق ومقلق في موازين القوى بين العمال الكادحين من جهة، وأصحاب رأس المال والنفوذ من جهة أخرى. وهذا الاختلال ليس وليد الصدفة أو اللحظة، بل هو نتاج تراكمات من سياسات اقتصادية واجتماعية كرست الهوة بين من يكد ومن يكدس الثروات.
في مغرب اليوم، تتسع الفجوة الطبقية بشكل مرعب، وتتآكل القدرة الشرائية للمواطن البسيط بوتيرة مقلقة. موجات الغلاء المتتالية والمتوحشة ضربت أسعار المواد الأساسية، من غذاء ودواء ومحروقات، دون أن يقابلها أي تحسين يذكر في الأجور، مما أدى إلى سحق ممنهج للطبقة المتوسطة، ودفع بشرائح واسعة منها قسرا إلى صفوف الفقراء والمهمشين الذين يكابدون مرارة العيش.
وليزداد الطين بلة، تضيف الحكومة الحالية، التي يغلب عليها طابع خدمة مصالح رجال المال والأعمال، إلى معاناة العمال سياسات تبدو في ظاهرها إصلاحية وتنموية، لكنها في جوهرها تكرس النهج النيوليبرالي المتوحش القائم على تقليص دور الدولة الاجتماعي وترك المواطن أعزلا في مواجهة تقلبات السوق وجشع المتحكمين فيه. هذه السياسات، التي يتم تسويقها تحت شعارات براقة كـ”الإصلاح” و”الحكامة” و”التنمية”، لا تفعل في الواقع سوى تعميق الفوارق الطبقية، وزيادة هشاشة الطبقة العاملة، وضرب ما تبقى من حقوقها في مقتل.
وما تمرير مشاريع قوانين، كقانون الإضراب التكبيلي، إلا مثال صارخ على محاولة تجريد العمال من آخر أسلحتهم في هذه المعركة غير المتكافئة. فعندما يكبل حق الإضراب، المكفول دستوريا ودوليا، بشروط تعجيزية وإجراءات معقدة، وعندما تلوح السلطة بعقوبات صارمة ضد المضربين المطالبين بحقوقهم، فإن ذلك لا يعني سوى شيئاً واحدا: أن من يسنون القوانين هم أحيانا أول من ينتهكون روحها، وأن “القوانين غالبا ما تكون سلاسل للضعفاء وأدوات للأقوياء”.
ولا يقتصر هذا الواقع المرير على الجانب الاقتصادي والنقابي، بل يمتد ليشمل الخطاب الإعلامي والثقافي السائد. فبينما ترسم وسائل الإعلام المهيمنة صورة وردية زائفة عن الاقتصاد المغربي والنمو والاستثمارات الأجنبية، تغيب تماما أصوات ملايين المغاربة الذين يصارعون يوميا لتأمين لقمة العيش بشرف. وبينما يحتفى بقصص نجاح رجال الأعمال وتضخم ثرواتهم، يتم تجاهل وتهميش قصص المعاناة اليومية للعمال والعاملات، للمعطلين والمعطلات، للفقراء والمهمشين، وكأن لسان حال الواقع يردد: “عندما تتحدث الأموال، تصمت الحقيقة”.
وبينما ترفع النقابات شعاراتها، وتلقى الخطابات الرنانة احتفالا بهذا اليوم الرمزي، وتتوقف عجلة العمل في العديد من القطاعات، هناك جيش صامت من المنسيين لا يعنيهم فاتح ماي في شيء. إنهم العمال المياومون، أولئك الذين يمثل الأول من ماي بالنسبة لهم مجرد يوم آخر من الكدح المضني تحت شمس حارقة أو في برد قارس. هم لا يملكون ترف الاحتفال أو الإضراب أو حتى الراحة، لأن توقفهم عن العمل ليوم واحد يعني ببساطة فراغ بطون أطفالهم في المساء. يخرجون فجرا يبحثون عن “رزق اليوم”، لا ليحلموا بغد أفضل، بل فقط ليضمنوا ثمن وجبة تسد رمقهم ورمق أسرهم. فكل ما يتجاوز الخبز اليومي، من صحة وتعليم وسكن لائق، هو بالنسبة لهم رفاهية لا يجرؤون حتى على الحلم بها. إن عرقهم المتصبب بصمت في هذا اليوم بالذات، هو أقوى خطاب، وأبلغ صرخة في وجه نظام لا يرحم ضعفهم، وهو التذكير الأكثر إيلاما بأن معركة الكرامة الإنسانية لم تنته بعد، وأن فاتح ماي الحقيقي لم يشرق بعد على حياة الملايين.















