في الوقت الذي انشغل فيه المجلس الوطني للصحافة، بصيغتيه الرسمية والمؤقتة، بصراعاته العبثية وحروبه الصغيرة مع الصحافيين، وبمعارك بطاقة الصحافة و الدعم العمومي، ضاعت المعركة الحقيقية: معركة بناء إعلام وطني صلب قادر على الدفاع عن المغرب في زمن الحروب الناعمة والمؤامرات الإعلامية العابرة للحدود.
تركنا خصوم الوطن يتدربون على تشويه صورتنا، يخططون، يشحنون، ويفبركون، بينما كان إعلامنا يضيع وقته في المجاملات الساذجة، وفي مطاردة الضيوف بالسؤال التافه: “هل أعجبكم مغربنا؟ هل أعجبكم طاجيننا؟”، وكأن المعركة معركة سياحة لا معركة صورة وسيادة وهيبة دولة.
أي منطق هذا الذي يجعل “الضيف” يعيش في أمان تام، يستفيد من أفضل ظروف الإقامة والتنقل والحماية، ثم يخرج بعد أول تعثر رياضي ليبصق في وجه البلد الذي احتضنه؟ أي انحطاط أخلاقي هذا الذي يجعل من الهزيمة الكروية ذريعة لإطلاق حملات كراهية وتشويه وتحريض؟
لنكن صرحاء مع أنفسنا: لقد هُزمنا إعلامياً قبل أن نُهزم رياضياً. خسرنا المعركة لأننا لم نخضها أصلاً. بينما كان إعلام “الأشقاء” يعبئ الجماهير، يزرع الحقد، ويعد الروايات المسمومة، كان إعلامنا يكتفي بلعب دور “المضيف اللطيف” في زمن لا يعترف إلا بالأقوياء.
لقد تركنا ساحة الحرب الإعلامية مفتوحة للمتربصين، فدخلوا منها كما يشاؤون، شوّهوا صورتنا، حرّضوا ضدنا، وصنعوا من وقائع هامشية قضايا دولية، بينما صمتنا أو اكتفينا بردود خجولة لا تسمن ولا تغني من تشويه.
ولنا في “كأس العرب” عبرة فاضحة: فوضى تنظيمية، مباريات تُلغى، مشاهد عبثية تحت راية “الفيفا”، ومع ذلك لم نسمع نقداً ولا محاسبة ولا حملة تشويه واحدة.
لماذا؟ لأن إعلام تلك الدول شرس، هجومي، يعرف كيف يحمي بلده حتى وهو مخطئ. أما نحن، فيكفي خلل بسيط حتى تنهال علينا سكاكين “الأشقاء” قبل الخصوم.
اليوم، ونحن على أعتاب تنظيم كأس العالم 2030، لا نملك رفاهية السذاجة. هذا الموعد ليس تظاهرة رياضية فقط، بل معركة سيادة وصورة ومكانة دولية. ومن يدخل هذه المعركة بلا إعلام مقاتل، بلا صحافة هجومية، بلا جيش إلكتروني محترف، يدخلها مهزوماً سلفاً.
الدفاع عن عرين الأسود لا يكون بالابتسامات والورود وحدها، بل بإعلام يهاجم، يفضح، يكشف، ويرد الصاع صاعين. فمن أراد صداقتنا فأهلاً به، ومن أراد الطعن في ظهر نجاحنا فليعلم أن المغرب ليس لقمة سائغة، وأن زمن الصمت انتهى.
ويبقى السؤال الذي يجب أن يقلق كل مسؤول عن قطاع الإعلام: إلى متى سنظل نستقبل بالورود من يخبئ لنا الخناجر؟ وإلى متى سنفهم متأخرين أن المعارك الكبرى لا تُحسم في الملاعب، بل تُربح أولاً في المنصات، والاستوديوهات، وغرف الأخبار؟
إن صورة المغرب ليست تفصيلاً، بل خط دفاع استراتيجي عن سيادته وكرامته ومكانته بين الأمم.















