حين يقرّر الإعلام المغربي أن “يتضامن” مع الأشخاص في وضعية إعاقة، فإن أول ما يفعل هو البحث في أرشيفه عن قصة شخص كفيف حفظ القرآن كاملاً في أسبوع، أو مقعد اخترع محرك طائرة من علبة سردين وبطارية هاتف نوكيا.
هكذا، يصنع الإعلام لنا “بروفايلات بطولية” تُعرض في الفقرات الاجتماعية من نشرات الأخبار، بنفس الموسيقى الحزينة التي تُستخدم عند الإعلان عن وفاة فنان قديم.
كأن الشخص المعاق لا يُرى إلا إذا اجتاز امتحان القداسة أو البطولة أو الفقر المُدقع… أو اجتازهم معًا.
في هذا المشهد الإعلامي الفرجوي، يتحول الشخص في وضعية إعاقة إلى “مشروع دمعة” ينتظر فقط كاميرا تحسن الزاوية، ومذيعة تعرف كيف تمط الحروف لتقول: “رغم إعاقته، لم يستسلم!”،
وكأن المطلوب من الشخص أن يموت قهراً كي يُعفى من أداء دور البطل المُلهم. يغيب عن هذا الخطاب المُعلّب أن الإعاقة ليست بطولة ولا لعنة، بل مجرد اختلاف في الطريقة التي يتفاعل بها الإنسان مع بيئته. لكن الإعلام يصرّ على أن يحولنا إلى رموز إلهامية موسمية، تماماً كما يحول فصل الربيع إلى ربورتاج عن زهور الأطلس، ثم يطوي الصفحة.
وإذا ما طالب أحد بحقوقه كمواطن، لا كأسطورة، رُدت عليه المؤسسات الإعلامية – دون أن تقولها صراحة – بأن وقته لم يحن بعد.
فالميكروفونات لا تُمدّ إلا لمن “يصنع الفرق”، لا لمن يطالب بالولوجيات أو بتعديل قانون الإشهار ليحترم صورة الشخص المعاق.
والنتيجة؟ لا أحد يسأل: أين الأشخاص في وضعية إعاقة من البرامج السياسية؟ من الترفيه؟ من النقاش العمومي؟
ما نراه فقط هو احتفالية فولكلورية كل ثالث دجنبر، تتصدرها عناوين من قبيل: “الإرادة تصنع المعجزات”، وكأن القوانين لا تصنع شيئاً، وكأننا لا نحتاج إلى تشريعات بل إلى ابتسامة على الشاشة.
الإعلام المغربي، في تعامله مع الإعاقة، يشبه تلميذاً يكتب موضوعاً إنشائياً عن “التسامح” وهو يخبّئ ورقة الغش تحت الطاولة.
يردد شعارات الإدماج، بينما لا يُدرج أصحاب الإعاقة في طواقمه، لا كمحرّرين ولا كمقدّمين، إلا نادراً وبمفعول رجعي. يتغنى بالتنوع، لكنه يصوغه بلغة منمّقة خالية من التفاصيل الحقيقية.
نحن لا نحتاج إلى “قصة نجاح” كل مساء، بل إلى سياسة إعلامية تعتبر الإعاقة جزءاً من النسيج المجتمعي، لا ديكوراً إنسانياً يُخرج من الدرج عند الحاجة. فالإعاقة ليست خبراً طارئاً… إنها جزء من العنوان.















