يتابع الأفراد مواقع التواصل الاجتماعي بانتظام حتى أصبحت جزءًا لا يتجزأ من حياتهم؛ فهي وسيلتنا للتواصل مع العالم والانفتاح عليه.
غير أن هذا العالم الموازي للعالم الواقعي بدأ يؤثر بعمق في سلوكياتنا وأنماط تفكيرنا.
وإذا أمعنّا النظر في الشخصيات التي تصنع المحتوى وتوجّه الحكاية، نجد أنها في الغالب إما ذات مستوى تعليمي متدنٍ، أو بلا مستوى معرفي يُذكر، مما يضعها – بحكم تصرفاتها – في موضع الشبهة، خاصةً حين تتجاهل القوانين المنظمة للمواطنة. وهذا الواقع يثير الحيرة لدى العقول المفكرة.
إذا طرحنا الموضوع من زاويته العقلية، يمكن أن نعقد مقارنة بين تأثير هذه الشخصيات وارتفاع معدلات الانفصال (الطلاق) التي بات مؤشرها يدق ناقوس الخطر. فالإنسان، حين يقارن حياته الواقعية بما يراه في العالم الافتراضي، يقع في ما يمكن تسميته التناقض الوجداني؛ إذ يجد نفسه بين واقع يعيشه وواقع افتراضي يراه، مما يضعه أمام أسئلة وجودية تستحيل الإجابة عنها.
وهنا تصبح الحرية – بهذا المعنى – ضربًا من سوء الفهم، لأنها تحاول إنكار الواقع أو إحلال واقع افتراضي محل الواقع العيني، وهو تناقض منطقي بالضرورة.
الدعم الذي يقدمه الرأسمال العالمي لهذا المحتوى المغري يحوّل الإنسان إلى راقص أو متسول على منصات مثل “تيك توك”.
هذا التحول يهدف إلى قلب القيم، بحيث يصبح التسول، إذا كان مربحًا، سلوكًا مقبولًا، ليس باعتباره خيرًا أو شرًا في ذاته، بل كترسيخ لعقيدة البحث عن المال.
وعندما تصبح النقود هي الحاكم في العلاقة مع الآخر، يصبح الطلاق – في هذا السياق – أمرًا طبيعيًا ومنطقيًا، لا بحثًا عن الاستقلالية، بل انعكاسًا لتضارب المصالح.
الرجل لا يرى المرأة المرغوب فيها إذا لم تكن مطابقة للصورة الإيروتيكية التي يتخيلها، والمرأة كذلك، متناسية الطبيعة الفيزيائية للأشياء باعتبارها موجودة وزائلة،
في حين يُستبدل ذلك بديكور يوضع في مقام الأبدية والخلود، وهو تفكير رأسمالي بامتياز. حتى الموت، الذي يقدسه الإنسان، صار في هذا السياق مشهدًا تمثيليًا لجلب المشاهدات.
الرغبة، في أصلها، لا تعني التسلط على الآخر بصفته جنسًا مختلفًا، بل هي علاقة متكافئة. غير أن سوء فهم معنى الزواج، وتسليع البشر، ورؤية الناس كسلع، يولد صراعًا حول الهوية: لماذا لستُ كما يتخيلني الآخر؟
ولماذا لستُ أنا شبيه الصورة المثالية التي أرسمها لنفسي؟ إنه رفض للواقع، وبناء صورة مرضية عن الذات، وهو التعبير الأوضح عن المرض الاجتماعي المعاصر.















