في مشهد بات مألوفاً في الفضاء الإعلامي المغربي، يجد موقع “لوبوكلاج” الإخباري المستقل نفسه أمام المحكمة الابتدائية بالرباط، لكن ما يميّز هذه القضية عن سابقاتها ليس فقط كون المتابَعَين صحفيَّين، بل طبيعة الأداة القانونية المستعملة بالتحديد: قانونان في آنٍ واحد، كأن قانوناً واحداً لم يعد كافياً.
“الادعاء المباشر يحاكمني بقانونَين، كأنني أجمع بين الصحفي المهني والمجرم المحترف”.
وهي عبارة تختصر إشكالية قانونية عميقة تتجاوز أروقة المحكمة لتطرح سؤالاً جوهرياً: ما الذي يعنيه أن تكون صحفياً في المغرب عام 2026؟
إشكالية التكييف القانوني: حين تتعارض النصوص
تستند الشكاية المباشرة في آنٍ واحد إلى الفصلَين 447-1 و447-2 من القانون الجنائي، وإلى القانون رقم 88.13 المتعلق بالصحافة والنشر. وهذا الجمع ليس تفصيلاً إجرائياً عادياً، بل هو في حقيقته تناقض قانوني صريح يخترق مبدأً راسخاً في فلسفة التشريع: القانون الخاص يُقيّد القانون العام ويعطّل تطبيقه في نطاق اختصاصه.
فقانون الصحافة والنشر المغربي عرّف صراحةً الصحيفة الإلكترونية وميّزها عن سائر المنظومات المعلوماتية، ورسم لها نظاماً خاصاً في المسؤولية والمتابعة والعقوبة.
وما بناه المشرع بعناية لا ينبغي أن يُهدمه توظيف انتقائي للقانون الجنائي العام.
يزيد على ذلك التناقض المصطلحي الصريح في صياغة التهمة ذاتها. فالشكاية توجّه تهمة “البث والتوزيع”، وهي مصطلحات تخص عالم السمعي البصري والإذاعة والسينما، لا عالم الصحافة المكتوبة الرقمية.
الموقع الإخباري ينشر ولا يبث، والفارق ليس لغوياً، بل هو فارق قانوني جوهري يترتب عليه تحديد القانون الواجب التطبيق أصلاً.
الخلل الأخلاقي: حين تتحول الصحافة إلى مشروع تجريم
تتجاوز هذه القضية البُعد القانوني التقني لتطرح إشكالية أخلاقية مهنية أعمق. فالصحافة في جوهرها ممارسة اجتماعية قائمة على نشر المعلومات ذات الشأن العام، وهي ممارسة لا يمكن أن تؤدي وظيفتها في مناخ يجعل من كل تحقيق صحفي مشروع ملاحقة جنائية.
ما نشره “لوبوكلاج” بتاريخ 17 مارس 2026 كان خبراً يتعلق بشكاية قضائية مقدمة أمام المحكمة الابتدائية بتيفلت، أي خبراً عن إجراء قضائي رسمي علني بطبيعته.
وتحويل هذا النوع من التغطية إلى مادة للمتابعة الجنائية يُثير تساؤلاً جدياً حول حدود ما يُعدّ مشروعاً للتغطية الصحفية، وما إذا كانت المحاكم المغربية ستُتاح أمامها مستقبلاً تغطيات إخبارية بلا قيود.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال ما رصدته النقابة الوطنية للصحافة المغربية في تقريرها الأخير من عودة ملحوظة لتوظيف القانون الجنائي في ملاحقة الصحفيين، في ظاهرة يراها المدافعون عن حرية الصحافة أداةً للترهيب المنهجي لا آليةً للإنصاف.
نظام المسؤولية المتدرجة: ضمانة مُهدَّدة
أرسى قانون الصحافة والنشر نظاماً دقيقاً للمسؤولية المتدرجة، إذ نصّت المادة 95 منه صراحةً على أن الفاعلين الأصليين للأفعال المرتكبة عن طريق الصحافة يُحاسَبون وفق ترتيب هرمي محدد: مديرو النشر أولاً، ثم أصحاب المادة الصحفية إن تعذّر وجود مديري النشر، فالطابع ومقدمو الخدمات، فالمضيف، وأخيراً الموزعون والبائعون.
وهذا النظام ليس امتيازاً منحه المشرع للصحفيين، بل هو ضمانة هيكلية تعكس إدراكه أن العمل الصحفي عمل مؤسسي جماعي لا فعل فردي معزول.
غير أن الشكاية في قضية “لوبوكلاج” جمعت منذ البداية بين مدير النشر ومؤسس الموقع ومالكه، رغم أن مالك المؤسسة الإعلامية لا يشار إليه في المسؤولية المتدرجة، في متابعة واحدة، متجاوزةً بذلك الترتيب الذي أقامته المادة 95 بعناية، إذ لا تمتد المسؤولية إلى المالك، إذا كان لابد أن تمتد، إلا في غياب مدير النشر، وهو شرط غير متحقق هنا.
وهذا الجمع لا يُفرغ نظام المسؤولية المتدرجة من معناه فحسب، بل يحمل دلالة أعمق: فاستهداف المدير يُعاقب على المحتوى، واستهداف المالك والمؤسس يستهدف بنية المشروع الإعلامي من الأساس.
والجمع بينهما في قضية واحدة تحوّلت فيها الملكية الإعلامية إلى عبء قانوني، يُولّد أثراً تخويفياً تراكمياً يتجاوز العقوبة الآنية ليطال وجود الصحافة المستقلة برمتها.
موقع “لوبوكلاج” لم يُنشأ ليصمت. والقضاء لم يُوجَد ليُسكت.















