على امتداد أكثر من عقدين، ظل اسم فيصل العرايشي مرتبطاً بشكل وثيق بمسار الإعلام العمومي بالمغرب، من خلال قيادته لـ الشركة الوطنية للإذاعة و التلفزة في مرحلة اتسمت بتقلبات عميقة، بين وعود التحديث و إكراهات الواقع، و بين طموح الإصلاح و تراكم الانتقادات.
اليوم، و مع اقتراب ورش التحول نحو نموذج “الهولدينغ” الإعلامي، يعود النقاش بقوة حول حصيلة هذه المرحلة، ليس فقط من زاوية الأشخاص، بل من زاوية الاختيارات الاستراتيجية التي طبعت تدبير مرفق حيوي يمس الوعي الجماعي للمغاربة.
من حيث المبدأ، لا يمكن إنكار أن فترة تدبير الإعلام العمومي خلال السنوات الماضية شهدت تحولات بنيوية مهمة، لعل أبرزها توسيع العرض السمعي البصري، و إطلاق قنوات وإذاعات متخصصة، إلى جانب الانتقال إلى البث الرقمي و تحديث جزء من البنيات التقنية. كما تم فتح المجال، ولو بشكل نسبي، أمام الإنتاج الخارجي، في محاولة لتنويع المحتوى و تحسين جودته.
غير أن هذه المكتسبات، على أهميتها، لم تنجح في تحقيق الرهان الأساسي: كسب ثقة المشاهد المغربي.
الفجوة بين الخطاب الرسمي الذي يروج لنجاحات متتالية، و بين ما يلمسه الجمهور من ضعف في الجودة أو محدودية في الإبداع، ظلت تتسع سنة بعد أخرى.
و قد تراكمت الانتقادات في عدة مستويات. أولها يتعلق بالحكامة و التدبير، حيث طُرحت باستمرار تساؤلات حول كيفية صرف الميزانيات العمومية، و مدى ارتباطها بمؤشرات الأداء و المردودية. ثانيها يهم المحتوى الإعلامي، الذي وُصف في كثير من الأحيان بأنه لا يعكس التنوع الثقافي و الاجتماعي للمغرب، و لا يستجيب لتطلعات جمهور أصبح أكثر انفتاحاً بفضل المنصات الرقمية. أما ثالثها، فيرتبط بالبعد المهني و الاجتماعي داخل المؤسسة، حيث عبّرت فئات من العاملين عن غياب مقاربة تشاركية حقيقية في اتخاذ القرار، و عن اختلالات تؤثر على مناخ العمل و الإنتاج.
الأكثر إثارة للانتباه هو استمرار خطاب رسمي متفائل، تُقدم من خلاله صورة تبدو أحياناً بعيدة عن الواقع الذي يعيشه المهنيون و يلامسه المتتبعون. و هو ما عمّق الإحساس بوجود فجوة في التقييم، بين ما يُقال و ما يُنجز فعلياً.
في هذا السياق، يطرح التحول المرتقب نحو نموذج “الهولدينغ” الإعلامي نفسه كمنعطف حاسم، يفرض إعادة طرح الأسئلة الجوهرية التي ظلت مؤجلة لسنوات:
هل يتعلق الأمر بإصلاح حقيقي يعيد ترتيب أولويات الإعلام العمومي على أسس الشفافية و النجاعة؟
أم أننا أمام إعادة هيكلة شكلية قد تعيد إنتاج نفس الأعطاب داخل بنية جديدة؟
إن الرهان اليوم لم يعد مرتبطاً فقط باستمرار أو مغادرة هذا المسؤول أو ذاك، بل بمدى قدرة الدولة على إرساء نموذج حكامة جديد، يقوم على ربط المسؤولية بالمحاسبة، و يمنح للموارد البشرية دوراً مركزياً في صناعة القرار، و يضع المشاهد في قلب المعادلة، لا في هامشها.
لقد أظهرت التجارب، داخل المغرب و خارجه، أن إصلاح الإعلام العمومي لا يتحقق بتغيير الهياكل فقط، بل بإرادة سياسية واضحة، و رؤية استراتيجية منفتحة، و جرأة في تقييم الماضي دون مجاملة.
و بين حصيلة ثقيلة بالانتقادات، و آمال معلقة على المستقبل، تبدو المرحلة الراهنة أقرب إلى لحظة مساءلة جماعية، قد تحدد ما إذا كان الإعلام العمومي سيتحول فعلاً إلى رافعة للتنمية و الديمقراطية، أم سيظل أسير نفس الاختلالات التي أفقدته جزءاً كبيراً من تأثيره و مصداقيته.
إنها لحظة مفصلية، لا تحتمل التأجيل… و لا تقبل أنصاف الحلول.















