الفضاء الرقمي : ملاذ المكلومين من غياهب النسيان
بصوت خافت تختلط فيه مشاعر الصبر الجميل ونبرة هادئة يسكنها اليأس ، أطل طارق الزفزافي على متتبعيه عبر نافذة في العالم الرقمي ليكسر جدار العزلة ويذكرنا بأوجاع الزنازين وهو الذي يرى شقيقه ورفاقه على مشارف إتمام عامهم التاسع منسيون خلف القضبان.
“الى جميع الأحباب داخل وخارج الوطن ، كونوا سندا حقيقيا لإخوانكم المعتقلين … أنشروا ذلك على مواقع التواصل الاجتماعي … فليكن هذا الأسبوع أسبوعا للمعتقل” .
بهذه الكلمات صاغ طارق شقيق المعتقل ما يشبه النداء الأخير ملقيا بكلماته في بحر من الأحزان ، آملا تذكير الرأي العام بقضية أخذت تطالها يد النسيان . يقول طارق : “قضى المعتقلون سنوات ، بعيدين عن أسرهم . توفيت أمهاتهم ورحل اباؤهم … نبتغي احياء النقاش حول هذا الملف وايصال صوتنا لحكماء وعقلاء هذا البلد ” .
متمسكا ببراءة شقيقه المحكوم بعشرين سنة ، سجنا نافذا ، يؤكد طارق لجريدة لوبوكلاج أن هذه الحملة تأتي في سياق “استمرار تداعيات حراك الريف الذي كانت مطالبه اجتماعية مشروعة” . وتهدف هذه الحملة الرقمية بحسبه ، الى تسليط الضوء من جديد على قضية المعتقلين الذين مازالوا يقبعون وراء القضبان .
وبالطبع ، لم يفوت طارق فرصة التعبير عن امتنانه العميق لكافة الأصوات الداعمة ، التي أكسبت رسالته صدى واسعا : “لا يسعني الا أن أشد على أيادي جميع الذوات الحرة التي استجابت لنداء حملة أسبوع المعتقل” .
وفي مشهد يفيض بالأسى , نابت زوليخة خاتشي بأمومتها وعطفها عن كل المعتقلين الذين غيبت الموت ذويهم ورحلت أرواحهم عن هذه الحياة دون أن يحظوا بوداع أخير ، تاركين حسرة الغياب : “أطلقوا سراح أبنائنا … أطلقوا سراح أبنائي” .
عتبات الفضاء الرقمي نحو الفضاء العام : رهان المجتمع المدني .
يوضح الكاتب عبد العزيز العبدي ، أن خصوصية الحملة الرقمية تتسم بمنطق التراكم ، ومن ثم فان الأحداث التي تحتضنها ليست عابرة ،”حين يتحول الهاشتاغ الى ذاكرة جماعية متجددة ، يصعب على أي جهة الادعاء بأن هذا الملف قد طوي” .
ومن هنا ينبغي أن نأخذ بعين الاعتبار أن “الصمت مكلف سياسيا وديبلوماسيا … ان المعتقل الذي يذكر اسمه كل أسبوع لا يمكن أن يكون منسيا ، ذاك وحده انتصار … قد يبدو صغيرا الى أنه يظل في الواقع انتصارا حقيقيا”.
يضيف الكاتب “لقد أصبح الفضاء الرقمي فضاء موازيا لا يمكن تجاهله ، لم يحظ ملف النقيب زيان ومعتقلي حراك الريف بتغطية إعلامية رسمية تعادل ثقلهما الحقوقي” هنا تحديدا تبرز أهمية الساحة الرقمية بوصفها ما “يسد الفراغ”، غير أن كل هذه النداءات الرقمية تظل في حاجة الى اذان صاغية داخل البرلمان كما المنظومات الحقوقية “لتحول الزخم الرقمي الى ضغط مؤسساتي فعلي” .
وقد أعلنت فيدرالية اليسار الديموقراطي , في وقت سابق دعمها التام والمطلق لمبادرة “أسبوع المعتقل” التي أطلقها المناضل طارق الزفزافي مؤكدة مشروعية مطالبهم الاجتماعية .
وفي نفس السياق استنكرت الفيدرالية, إدارة الدولة لمختلف الملفات الاجتماعية والسياسية وفق منطق قمعي , ذلك أن تواتر المحاكمات الجائرة عقب حملات الاعتقال السياسي الممنهجة التي طالت شباب “جيل z” والنشطاء والصحفيين , من شأنه أن يعيق أي تحول ديمقراطي حقيقي .
ومن أجل تهيئة مناخ سياسي لا يعكر صفوه احتقان اجتماعي ولا اعتداءات سافرة على الحريات العامة , فمن الضروري إعادة الثقة إلى المؤسسات وتمتين الجبهة الداخلية . لذا جددت الفيدرالية دعواتها الى كافة الفرق البرلمانية لتفعيل مقترح قانون العفو العام والشامل “لطي هذه الصفحة المؤلمة بشكل نهائي” .
المركز الوطني للإعلام وحقوق الإنسان يقف في طليعة المدافعين عن “أسبوع المعتقل” .
دعا المركز الوطني للإعلام وحقوق الإنسان في بلاغ صحفي ، السلطات العليا ومراكز صنع القرار الى اتخاذ إجراءات مستعجلة ومسؤولة تقود الى حلحلة القضايا الحقوقية العالقة. سيما أن معالجة هذا الملف لا يمكن أن تتم إلا عبر مقاربة حقوقية شاملة قائمة على احترام الدستور والالتزامات الدولية للمغرب.
ويرى المركز أن السبيل الأمثل لإقرار المصالحة الوطنية يبدأ عند الإفراج الفوري وغير المشروط عن كافة معتقلي الرأي والتعبير؛ وفي مقدمتهم النقيب محمد زيان، و معتقلي حراك الريف، و معتقلي حراك جيل Z والطلبة، والمدونين؛ ووقف كافة المتابعات المرتبطة بحرية التعبير والنشاط السلمي.
وفي السياق ذاته، أعلن المركز الوطني للإعلام وحقوق الإنسان دعمه الراسخ لمبادرة “أسبوع المعتقل”، واصفا إياها بـ”الصرخة الحقوقية المشروعة” الرامية إلى وضع حد للاعتقالات الكيدية.
وأمام ما تشهده البلاد من موجة اعتقالات سياسية وتراجعٍ في منسوب الحريات العامة، شدد المركز على ضرورة توحيد صفوف القوى الحية والديمقراطية، باعتبار ذلك سبيلا أوحد للدفاع عن الحقوق، والمساهمة في بناء أفق جديد قوامه العدالة، والكرامة، وسيادة القانون.
إبراهيم الأشهب : “الرأي العام له قوته وحينما توصد الأبواب ينبغي أن تتكاثف الجهود” .
لم تتوان الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الانسان , ممثلة في شخص أمينها الوطني إبراهيم الأشهب، عن ابداء دعمها الكامل لهذه المبادرة التي أطلقها طارق الزفزافي وعائلته ، وانخراطها الفاعل فيها .
وفي تصريح خص به جريدة لوبوكلاج بشكل حصري دعا الى تكثيف جهود الرأي العام لايصال صوتهم الى مراكز القرار لاعادة النظر في ملفات معتقلي حراك الريف وكافة النشطاء بمن فيهم النقيب محمد زيان والأستاذة سعيدة العلمي .
وبحسب الرابطة ، فإن هذه المبادرة تتجاوز كونها مجرد تضامن ، لتصبح دعوة عامة تجعل من الاعتقال التعسفي والسياسي وما يندرج تحت مسمى “الاعتقال الاحتياطي” في صلب اهتمام المواطنين .
وفي هذا السياق شددت الرابطة على أن “العفو الملكي كفيل بتصحيح الأخطاء وهفوات القضاء … وقد ان الأوان لإعادة النظر في مجموعة من الملفات على ضوء السياقات الراهنة , اذ ينبغي أن يتسع صدر الدولة لمعارضيها ” إيمانا منها بأن التنوع الثقافي وتعدد الآراء والأصوات على اختلاف مشاربهم السياسية والأيديولوجية هو أمر صحي ومؤشر حقيقي على الديموقراطية السليمة .
وقد كان موقف الرابطة ، التي لم تسلم من موجة الاعتقالات الكيدية ، واضحا في توصيفها للواقع : “نحن ندرك جيدا ما يعنيه الاعتقال من سلب لحرية الشخص وانهاء مسيرته السياسية والحقوقية” لتختتم بتأكيدها أن “الدولة ينبغي أن تنظر بعين المواطنة الصادقة … فالوطن للجميع” .














