لوبوكلاج : ابراهيم الشعبي
في زمنٍ باتت فيه الشاشة سلاحاً والخوارزمية حارساً، ظهر في المشهد الإعلامي المغربي نوعٌ جديد من “المحاربين”.
في زمنٍ باتت فيه الشاشة سلاحاً والخوارزمية حارساً، ظهر في المشهد الإعلامي المغربي نوعٌ جديد من “المحاربين”.
لا يحملون قلماً بل يشهرون طعناً، ولا يكتبون خبراً بل يُسوِّقون وحلاً ودنساً. هؤلاء هم المشهِّرون الجُدد، الذين يمارسون إجرامهم الرمزي نهاراً جهاراً، متسلِّحين بكلمات قذرة وصور مفبركة ومقاطع صوتية مُضلِّلة، بل وبأدوات الذكاء الاصطناعي التي حوَّلت الكذبة إلى مشهد يُوهِم بالحقيقة ويخدع العقول.
لم يسلم من آلة تشهيرهم أحد: لا المواطنة البسيطة كالخالة زليخة، أم المعتقل ناصر الزفزافي، التي لم تُجرِم سوى أنها أنجبت ابناً يطالب بالكرامة والحقوق، ولا الصحفيون المهنيون الحقيقيون الذين يؤدون رسالتهم بأمانة واقتدار كحميد المهداوي وعبد الله الترابي ويونس مسكين وأشرف بلمودن، كلٌّ منهم يعلم يقيناً أن ثمن الكلمة الصادقة قد يكون الاستهداف الممنهج والتنكيل المتواصل.
والسؤال الذي يُلحّ والذي تتهرَّب منه الجهات المعنية هو: من يحمي هؤلاء المشهِّرين؟ ومن يُموِّل هذه الماكينة القذرة؟ ومن المستفيد من استمرار هذا الإجرام الرمزي؟ الإجابة مؤلمة لكنها صريحة: التشهير لا يزدهر في فراغ، ولا يستمر بلا سقف يأويه وذراع تحميه.
وما دام المشهِّر يواصل عمله دون محاسبة، ويتمدَّد دون رقيب، ويُضاعف ضحاياه دون أن تمتدَّ إليه يدُ القانون — فهذا دليلٌ دامغ على أن ثمة جهةً تجد في الإسفاف خدمةً لمصالحها، وأن ثمة حمايةً غير معلنة تُتيح لهذا النوع من الإجرام أن يستفحل ويتجذَّر.
هذه الظاهرة ليست مجرَّد إساءة للأفراد — إنها جريمة منظَّمة في حق الوطن بأسره.
إنها تُدمِّر الثقة في الإعلام وتُلوِّث الفضاء العام، وتُرهِب الأقلام الشريفة وتدفعها إلى الصمت والاستسلام، وتُفسح المجال لصحافة الظلام والأجندات المشبوهة كي تحلَّ محلَّ صحافة الضوء والمسؤولية.
وما يُضاعف الخطورة أن أدوات الذكاء الاصطناعي باتت تُوظَّف في تركيب الصور وتزوير الأصوات وتضخيم الأكاذيب — مما يجعل التشهير اليوم أشدَّ فتكاً وأصعبَ دحضاً مما كان عليه بالأمس.
لا يمكن الاكتفاء بالإدانة الكلامية أمام هذا المدِّ القذر. المطلوب اليوم موقفٌ مؤسساتي حازم وعاجل على عدة مستويات: تفعيل النصوص الجنائية القائمة بلا انتقائية ولا ازدواجية، لأن القانون الذي يُطبَّق على الصحفي الجريء يجب أن يُطبَّق بالقدر ذاته على المشهِّر الحقير.
وعلى المجلس الوطني للصحافة والهيئة العليا للاتصال السمعي البصري أن يرفعا الصوت ويتحمَّلا مسؤوليتهما كاملةً، بدلاً من الاختباء وراء الصمت الذي قد يُفسَّر تواطؤاً.
وعلى السلطات المختصة إلزام المنصات الرقمية بإزالة المحتوى التشهيري فوراً، ومساءلة كل من يستخدم الذكاء الاصطناعي أداةً للتزوير والتشهير.
وعلى نقابات الصحفيين ومنظمات حقوق الإنسان الوقوف صفاً واحداً في مواجهة هذه الظاهرة، لأن الصمت عنها اليوم يعني القبول بها غداً.
إن الصحافة الحقيقية، مهما نالها من أذى، ستبقى واقفةً — لأنها تنبع من ضمير ومسؤولية، لا من أجندة وأجر.














