يطرح استمرار بعض المسؤولين على رأس مؤسسات عمومية لسنوات طويلة، بل لعقود في بعض الحالات، تساؤلات متزايدة حول طبيعة الحكامة المعتمدة و مدى إتاحة الفرصة للكفاءات الوطنية لتولي مسؤولية تدبير قطاعات استراتيجية وحيوية.
فعندما يستمر مسؤول لأكثر من ربع قرن في تدبير قطاع معين، رغم ما يرافق ذلك من انتقادات متكررة لأداء المؤسسة و نتائجها، يصبح من المشروع طرح أسئلة حول آليات التقييم و المحاسبة و تجديد النخب الإدارية.
و في قطاع الإعلام العمومي، تتزايد هذه التساؤلات بشكل أكبر، خاصة في ظل استمرار الجدل حول مستوى الأداء و نسب المشاهدة ومدى رضا المشاهد المغربي عن الخدمة الإعلامية المقدمة.
فبدل أن يشهد القطاع تحولات نوعية تواكب التطورات المتسارعة في المجال السمعي البصري، يرى العديد من المتابعين و المهنيين أن عدداً من الإشكالات لا يزال قائماً، سواء على مستوى التدبير أو على مستوى الاختيارات البرمجية و الإنتاجية.
و لم تعد الانتقادات مقتصرة على الجمهور فقط، بل امتدت إلى فاعلين من داخل القطاع نفسه، من ممثلين و منتجين و عاملين بالمؤسسة الإعلامية،
حيث تتكرر الملاحظات المرتبطة باستفادة شركات إنتاج بعينها من عدد من البرامج، و هو ما يفتح الباب أمام مطالب متكررة بترسيخ مبادئ تكافؤ الفرص و الشفافية في تدبير ملفات الإنتاج و الانتقاء، خاصة و أن لجان اختيار البرامج يتم تعيينها وفق آليات تدبيرية داخل المؤسسة.
و على المستوى الاجتماعي و المهني، عرف قطاع الإعلام العمومي خلال السنوات الماضية موجة غير مسبوقة من الوقفات الاحتجاجية و الاعتصامات و حمل الشارات الاحتجاجية، في مشهد يعكس حجم الاحتقان الذي عاشه القطاع داخلياً. كما برزت شكاوى مرتبطة بتعثر الحوار الاجتماعي و صعوبات التواصل مع ممثلي العاملين، إضافة إلى مراسلات وشكايات وُجهت إلى عدد من المؤسسات الوطنية و الدولية المعنية أملاً في إيجاد حلول للمشاكل المطروحة.
و لم تتوقف الإشكالات عند حدود الاحتجاجات الداخلية، بل امتدت إلى أروقة المحاكم، حيث تم تسجيل عدد من النزاعات القضائية التي كانت المؤسسة الإعلامية طرفاً فيها.
فقد لجأ منتجون و عاملون إلى القضاء لطرح ملفات مرتبطة بحقوق و نزاعات مهنية و إدارية. و تشير معطيات متداولة إلى أن سنة 2017 عرفت أكثر من ثلاثين دعوى قضائية رفعها عاملون ضد الشركة بسبب ما اعتبروه خروقات طالت حقوقهم المهنية و الإدارية، كما استمرت بعض هذه النزاعات خلال سنوات لاحقة.
و لم تقتصر المتابعات القضائية على العاملين فقط، بل شملت كذلك مسؤولين سابقين تقلدوا مناصب كرؤساء قطاعات و مديرين، و الذين لجأوا بدورهم إلى القضاء في ملفات مرتبطة بالتعويضات و الترقيات في السلم الحادي عشر و خارج السلم، خاصة بعد إثارة تساؤلات حول صرف مستحقات مالية مرتبطة بهذه الملفات.
و هو ما يعكس أن الإشكالات المطروحة لم تعد مرتبطة بحالات فردية معزولة، بل أصبحت مؤشرات على وجود اختلالات تدبيرية تستوجب الوقوف عندها و تحليل أسبابها بشكل مؤسساتي.
و زادت بعض الملفات التي أثيرت بشأن اختلالات مالية من تعميق النقاش العمومي حول ضرورة تعزيز آليات الرقابة و الحكامة الجيدة داخل المؤسسات الإعلامية العمومية، خاصة عندما تتحول المسؤولية أحياناً إلى مساءلة مسؤولين محدودين، بينما تبقى الأسئلة الجوهرية المرتبطة بمنظومة التدبير العامة دون أجوبة واضحة.
و عندما تتراكم الاحتجاجات، و تتعدد الشكايات، و تتسع رقعة النزاعات القضائية، و يستمر الجدل حول أساليب التدبير رغم الميزانيات الضخمة التي تُضخ في القطاع، يصبح من المشروع التساؤل حول حصيلة سنوات طويلة من الإدارة و التسيير: ما الذي تحقق؟ و أين هي الإصلاحات الهيكلية التي كان ينتظرها المهنيون و المشاهدون على حد سواء؟
إن النقاش اليوم لم يعد مرتبطاً بأشخاص بعينهم بقدر ما أصبح مرتبطاً بمنهجية التدبير نفسها. فالمغرب لم يكن يوماً بلداً يفتقر إلى الكفاءات الوطنية القادرة على حمل مشاريع الإصلاح و التطوير، بل يزخر بأطر و خبرات راكمت تجارب كبيرة داخل الوطن و خارجه.
غير أن استمرار نفس الأساليب و نفس آليات التسيير لفترات طويلة يفرض إعادة التفكير في ضرورة ضخ دماء جديدة و أفكار مختلفة قادرة على مواكبة التحولات المتسارعة.
لقد أصبح التغيير اليوم ليس مجرد خيار أو مطلب ظرفي، بل ضرورة مؤسساتية و حتمية لإعادة بناء الثقة داخل القطاع و استعادة مصداقية الإعلام العمومي لدى العاملين و الجمهور على حد سواء. فالإصلاح الحقيقي لا يقاس فقط بحجم الميزانيات المرصودة أو بطول مدة البقاء في المناصب، و إنما يقاس بالنتائج المحققة و الأثر الملموس على أرض الواقع.
و يبقى المبدأ الدستوري المتعلق بربط المسؤولية بالمحاسبة حجر الزاوية في أي إصلاح حقيقي، باعتباره الآلية القادرة على تحويل التدبير العمومي من منطق الاستمرارية الشكلية إلى منطق النجاعة و النتائج، لأن المؤسسات لا تبنى بالأشخاص وحدهم، و إنما تبنى بالمحاسبة و الشفافية و تجديد الرؤى و الكفاءات.















