* د/ الحسين بكار السباعي
محلل سياسي وخبير إستراتيجي.
مدير قطب إفريقيا والتعاون الدولي.
المركز الدولي للأمن والهجرة والتنمية.
تخط المملكة المغربية مسارا ديبلوماسيا و تصوغه اليوم عبر وعي تراكمي عميق يستحضر التاريخ وتجارب الدولة المعاصرة في حقل العلاقات الدولية، مسار يتجه نحو المستقبل بعيون هادئة وثابتة لا تلتفت إلى الوراء بل تكرس السيادة والندية والبرغماتية في كل عمل ديبلوماسي. فحين يتحدث صناع القرار في المغرب وفرنسا عن معاهدة إستراتيجية مرتقبة بين البلدين ، فإن الأمر يتجاوز الهيكل التقليدي للبروتوكولات المعتادة كما تؤطرها معاهدة فيينا للإتفاقيات الدولية والعمل الديبلوماسي، بل يضعان مستقبل الدولتين مباشرة أمام هندسة جيوسياسية جديدة تعيد رسم موازين القوى في حوض البحر الأبيض المتوسط وشمال إفريقيا. نحن هنا لا نقرأ تفاصيل بروتوكولية عابرة، بل نعيش فصل جديد من فصول الندية الكاملة التي انتزعتها بلادنا المملكة المغربية بصبر وبراغماتية صارمة، لتتحول هذه الوثيقة التي تطبخ على نار هادئة، في عمقها السياسي إلى تعاقد تاريخي غير مسبوق ينهي إلى الأبد القوالب القديمة التي أطرت العلاقات الثنائية لعقود، ويؤسس لواقع يتجاوز منطق الرعاية أو التبعية الناعمة نحو شراكة صلبة.
نعود الى قبة البرلمان حينما أستدعى الرئيس الفرنسي إيمانويل لإلقاء خطاب أمام نواب الأمة وحينما إستحضر حينها في معرض خطابه إرث إتفاقية “لاسيل سان كلو” لعام 1955، ليقترح حينها إطارات استراتيجية جديدة تواكب سبعة عقود من التحولات، إنه كان يوقع في الحقيقة على إعتراف فرنسي علني بتآكل القواعد القديمة وزوال زمن الوصاية الموروثة إلى غير رجعة. وما التأكيدات الأخيرة لوزير الخارجية الفرنسي من قلب العاصمة الإدارية للمملكة إلا خطوة إجرائية لوضع قطار هذه الشراكة الاستثنائية على سكته النهائية، فالزيارة الملكية المرتقبة والتي ستشهد توقيع “ميثاق الصداقة الجديد”، تعني باللغة السياسية الفصيحة الدخول الفعلي في مرحلة التصفية النهائية لإرث البلد المستقل المرتبط بروابط دائمة أو ما سمي حينها بـالإرتباط المتبادل الإرادي ،ليتم الإنتقال نحو أفق التبادل الصارم للمصالح الحيوية بين بلدين صديقين يدركان ثقل أهدافهما المشتركة، من خلال إتفاقيات إستثنائية تبرمها فرنسا لأول مرة مع دولة من خارج النادي الأوروبي.
إن قراءتنا الإستشرافية المتواضعة لطبيعة هذه المعاهدة تكشف عن تحول بنيوي في التفكير الإستراتيجي لكلا البلدين، فهذا الإستثناء التعاقدي سيمنح الشراكة حصانة بنيوية تحميها من الهزات الدبلوماسية والأزمات الصامتة التي طبعت المرحلة الماضية. والأهم من ذلك، أن هذه الشراكة تقتحم لأول مرة قطاعات سيادية بالغة الحساسية والأهمية كالإنتاج الدفاعي المشترك وصناعة الطائرات والأمن السيبراني، فضلا عن ريادة قطاع الهيدروجين الأخضر والطاقات المتجددة، وهي مجالات لا تكتفي بتبادل السلع بل تعتمد على نقل التكنولوجيا وبناء جبهة أمنية وإقتصادية متكافئة. هذا التحول الجذري سرعان ما أرخى بظلاله الثقيلة على الجوار الإقليمي ليستنفر الآلة الدعائية للنظام الجزائري التي سارعت إلى تسفيه الزيارة تارة واتهام المغرب بـالانتهازية السياسية تارة أخرى، غير أن هذا الضجيج الإعلامي لا يعدو أن يكون سوى ذلك الغطاء الذي يخفي القلق الحقيقي من اللحظة التاريخية التي ستفتح فيها الخزائن الفرنسية ويرفع الستار عن الوثائق والأرشيفات الكفيلة بإعادة ترتيب حقائق الجغرافيا والتاريخ معا، ومواجهة مخلفات الاقتطاعات الحدودية التي تعرضت لها الإمبراطورية المغربية الشريفة لصالح الجزائر الفرنسية حينها.
إن هذا الارتباك الهستيري الذي أصاب حكام قصر المرادية يثبت نوعا من العجز المركب عن إستيعاب فلسفة التاريخ الذي لا يصنع الصدف، بل يقدم الدروس البليغة والتي تتجسد في التراتبية الرمزية لمسار العرش العلوي بين الجد والحفيد ، فإذا كان الملك محمد الخامس رحمه الله قد قاد معركة الإستقلال السياسي الأول وتوجها باتفاقية إنهاء الحماية في “لاسيل سان كلو”، فإن الملك محمد السادس نصره الله وأيده يقود اليوم و بنفس إستراتيجي هادئ، معركة تثبيت السيادة الشاملة وإنهاء التبعية الجيوسياسية والإقتصادية بمختلف أشكالها التقليدية، ليتوج سبعين سنة من بناء الدولة والمؤسسات والتي نجحت خلالها المملكة في تغيير قواعد اللعبة بالكامل لتتحول إلى قوة إقليمية وازنة ورقم صعب لا يمكن تجاوزه في معادلات القرار الدولي بين ضفتي المتوسط. وفي معرض الحدث لم يكن الإعتراف الفرنسي الصريح بمغربية الصحراء مجرد تنازل دبلوماسي عابر، بل يمثل الحسم الإخياري المبني على اليقين بأن المغرب هو الشريك الموثوق والوحيد القادر على تأمين الإستقرار الإقليمي خاصة بعد تراجع النفوذ الفرنسي في عمق القارة الإفريقية. ومن هنا نرى أن المعاهدة الإستراتيجية التي ننتظرها جميعا ستكون قطيعة بين مغرب حارس للمصالح الفرنسية، الى بلد أضحى منصة دولية لوجستية ومالية رائدة للإنتاج والإستثمار المشترك، مستندة إلى المبادرة الملكية الأطلسية التي تفتح لدول الساحل نافذة إستراتيجية نحو المحيط.
لقد أدركت فرنسا اليوم أن مغرب القرن الحادي والعشرين قد نوع شراكاته الدولية بنجاح مع واشنطن وبكين وموسكو، وبالتالي فإن المعاهدة المرتقبة ستبحث من خلالها عن موطئ قدم حيوي داخل هذه المنظومة المتعددة الأقطاب دون أدنى إحتكار. وفي سياق دحض كل القراءات الماكرة التي تحاول ربط هذا التحول بمراجعة إتفاقيات تاريخية بائدة كـسايكس بيكو، نستحضر ضرورة التدقيق القانوني الذي يضع الأمور في نصابها فإتفاقية 1916 كانت شأن مشرقي خالص لتقسيم إرث الدولة العثمانية، ولذلك فإن ما يحدث اليوم ليس مراجعة لتلك التفاهمات، بل هو إقبار نهائي وتام لإرث عهد الحماية و معاهدة فاس لسنة 1912 وكل مخلفات الفكر الكولونيالي القديم. إنها لحظة إعتراف فرنسي وأوروبي صريح بالمغرب كـدولة أمة ذات إمتداد تاريخي وجغرافي عريق، وبأن معادلة الأمن والتنمية في القارة الإفريقية لا يمكن صياغتها دون تنسيق كامل ومتكافئ مع المملكة المغربية.
ختاما ،إننا جميعا كمغاربةمن طنجة الى الكويرة أمام شوق كبير للإحتفال بأول عيد للوحدة، عيد سيأتي بعد الزيارة والمعاهدة التاريخية المرتقبة ليكتسي معهما مفهوم السيادة أبعاد أكثر عمقا يتجسد وبشكل عملي في فرض الإحترام المتبادل وصياغة الشراكات الدولية على قاعدة الندية الصارمة التي تجعل من مغرب اليوم قائد يقود ولا يقاد. فالزيارة الملكية المرتقبة إلى فرنسا والتي يمهد لها اجتماع اللجنة العليا المشتركة ستكون بمثابة الإعلان الرسمي عن ولادة هذا المحور الإستراتيجي الجديد في حوض المتوسط، معاهدة صداقة إستراتيجية ستغير موازين القوى لأنها ستنقل المغرب وبشكل رسمي من موقع تفاوضي يدافع عن مصالحه الحيوية، إلى موقع قيادي يشارك في صياغة السياسات الأمنية والإقتصادية للقارة الإفريقية بالتعاون مع القوى الكبرى، واضعا اللبنة الأولى لتاريخ جديد يكتب بمداد السيادة والندية والمصالح المشتركة الدائمة.
د/ الحسين بكار السباعي
محلل سياسي وخبير إستراتيجي.
مدير قطب إفريقيا والتعاون الدولي.
المركز الدولي للأمن والهجرة والتنمية.















