خلص المجلس الوطني لحقون الإنسان، في خلاصات أولية بشأن أحداث العبور الجماعي التي شهدتها مدينتا سبتة ومليلية المحتلتان، إلى أن تفسير الظاهرة انطلاقاً من عوامل الفقر أو الهشاشة الاجتماعية لم يعد كافياً.
معتبراً أن قرار العبور أصبح مرتبطاً بتحولات عميقة في تطلعات الشباب، وسط تنامي تأثير الفضاءات الرقمية في تشكيل وتعبئة قرارات الهجرة.
واعتمد المجلس في تحليله على الرصد الميداني والرقمي، والاستماع إلى شهادات عدد من الشباب والقاصرين، وتحليل
المحتوى المتداول على المنصات الرقمية، حيث خلص إلى أن قرار العبور أصبح، في جانب منه، قراراً شخصياً يرتبط بتحول في مستوى تطلعات الشباب، في سياق مجتمعات رقمية تتعامل مع الحدود باعتبارها قيوداً لا تنسجم مع طبيعة الفضاء المفتوح.
وسجل المجلس أن الفضاءات الرقمية لعبت دوراً محورياً في مختلف مراحل التحضير لعمليات العبور، من نشر المعلومات والتوجيهات العملية، إلى التنسيق بين الراغبين في الهجرة، وتداول أماكن الالتقاء، وتبادل الإرشادات الخاصة بالوصول إلى سبتة، فضلاً عن استخدام تطبيقات التراسل الفوري لمواصلة التنسيق بين المشاركين، ورصد منشورات تتعلق ببيع واقتناء معدات السباحة وسترات النجاة، إلى جانب محتويات تروج لتجارب عبور سابقة.
وأشار المجلس إلى أن وتيرة العبور شهدت تصاعداً ملحوظاً ابتداء من منتصف يوليوز 2026، قبل أن تبلغ ذروتها يومي 30 و31 يوليوز، مبرزاً أن هذا الزخم تزامن مع نشر قرار للمحكمة العليا الإسبانية جرى تأويله على نطاق واسع داخل شبكات التواصل الاجتماعي، مما ساهم في التعبئة والترويج لمعلومات مضللة شجعت على محاولات العبور الجماعي.
ووثق المجلس، خلال عمليات التقصي الميداني، إفادات مجموعات من الشباب أكدت تلقيها رسائل عبر تطبيق “واتساب” تدعوها إلى التوجه نحو بوابات العبور بعد منتصف الليل، مع تسجيل توافد أعداد كبيرة من الشباب والقاصرين والعائلات على مدينة الفنيدق قبل انطلاق عمليات العبور. كما رصد وجود حسابات أجنبية داخل مجموعات مغربية تنشر أخباراً زائفة ومنشورات لتشجيع وتسهيل العبور، إلى جانب مؤشرات على نشاط وسطاء أو شبكات قد تكون مرتبطة بالاتجار بالبشر.
وانتهى المجلس الوطني لحقوق الإنسان إلى أن فهم ما جرى يقتضي تجاوز التفسيرات التقليدية للهجرة، والانكباب على دراسة مختلف العوامل المتداخلة التي أصبحت تؤثر في قرارات الشباب، خاصة التحولات المرتبطة بالتطلعات الفردية، والدور المتنامي للفضاءات الرقمية في التأثير على السلوك الجماعي، بما يسمح ببناء مقاربات أكثر دقة لفهم الظاهرة والتعامل معها.















