إسقاط وزارة التواصل ليس مجرد خطأ في توزيع الحقائب الوزارية، بل قرار يمسّ مكانة الإعلام داخل الدولة، ويثير أسئلة حقيقية حول مصير الصحافيين والمؤسسات الإعلامية والموظفين الذين ترتبط مصالحهم بهذه الوزارة.
ليس الأمر يتعلق بحكومة من دون وزارة للتواصل، بل بدولة يبدو أنها قررت، عن قصد أو عن سهو، أن تمضي في تشكيلتها الحكومية الجديدة من دون أن تمنح التواصل والإعلام مكانة واضحة داخل هندستها المؤسساتية.
والفرق كبير بين الأمرين؛ فالحكومات تتغير، والوزراء يأتون ويغادرون، لكن الدولة يفترض أن تظل مسؤولة عن استمرارية المؤسسات وصيانة الحقوق وضمان المصالح المرتبطة بها.
إن غياب وزارة التواصل عن التشكيلة الحكومية ليس تفصيلاً إدارياً عابراً، ولا مجرد سهو يمكن تجاوزه بإضافة حقيبة إلى وزارة أخرى.
إنه سؤال سياسي ومؤسساتي بامتياز: ما موقع الإعلام في تصور الدولة لوظائفها؟ وما المكانة التي تحتلها الصحافة في سلم أولوياتها؟ وهل يمكن الحديث عن دولة حديثة من دون سياسة عمومية واضحة في مجال التواصل والإعلام؟
قد يقول قائل إن الأمر لا يعدو أن يكون إعادة توزيع للاختصاصات، وإن إلحاق قطاع التواصل بوزارة الثقافة كفيل بتدبير شؤونه. لكن هذا التبرير، حتى إن بدا مقبولاً من الناحية الشكلية، لا يجيب عن الأسئلة الجوهرية التي فرضها هذا الغياب المفاجئ.
الإعلام ليس نشاطاً ثقافياً إضافياً، ولا قطاعاً يمكن ضمه إلى وزارة أخرى من دون إعلان واضح عن اختصاصاته وموارده وآليات تدبيره وضمانات استقلالية قراره الإداري.
إن وزارة التواصل ليست مجرد بناية إدارية أو اسم يُكتب في قائمة القطاعات الحكومية. إنها مؤسسة تضطلع بوظائف حيوية، من بينها المساهمة في إعداد وتنفيذ السياسات العمومية في مجال التواصل، وتدبير ملفات مرتبطة بالصحافة والنشر، ومنح بطاقة الصحافة المهنية للصحافيين المعتمدين وفق الشروط القانونية المعمول بها، وتدبير برامج الدعم العمومي للمؤسسات الصحافية، فضلاً عن ملفات اجتماعية ومهنية ترتبط بأجور صحافيين ومساهمات في التغطية الاجتماعية والالتزامات الضريبية، بحسب الآليات والبرامج المعتمدة.
كما تضم أطرًا وموظفين بنوا مساراتهم المهنية داخل هذه المؤسسة، ويرتبط مستقبلهم باستمرارها أو بإعادة تنظيمها وفق قواعد واضحة.
فهل يكفي أن تختفي الوزارة من الهيكلة الحكومية حتى تختفي معها هذه الالتزامات؟ وهل جرى إخبار الصحافيين والمؤسسات الإعلامية والموظفين المعنيين بمصير الملفات الجارية؟
وهل أُعدّت خطة انتقالية تضمن استمرارية الخدمات وصرف المستحقات واحترام الحقوق المكتسبة؟ أم أن الجميع مطالب اليوم بانتظار ما ستقرره الترتيبات اللاحقة، في ظل غياب الوضوح وتزايد القلق؟
إن الأمر لا يتعلق بالصحافيين وحدهم، بل بمؤسسات إعلامية تعتمد على برامج الدعم العمومي في مواجهة أعباء اقتصادية متزايدة، وبصحافيين مهنيين يحتاجون إلى خدمات إدارية منتظمة، وبموظفين وأطر يخشون أن يتحول مستقبلهم المهني والاجتماعي إلى ملف ثانوي في خضم إعادة ترتيب الحقائب الوزارية.
وليس من المبالغة القول إن هذا الغياب يعيد إلى الواجهة تاريخاً طويلاً من التوتر بين السلطة والإعلام في المغرب.
فقد ارتبط تدبير قطاع الإعلام، خلال مرحلة من عهد الملك الراحل الحسن الثاني، بوزارة الداخلية في فترة إدريس البصري، وهو ما ظل حاضراً في الذاكرة الصحافية باعتباره تعبيراً عن منطق أمني في التعامل مع قطاع يفترض أن يقوم على حرية التعبير وتعدد الآراء واستقلالية المؤسسات.
وإذا كان المغرب قد قطع أشواطاً في تحديث بنياته الإعلامية، فإن ذلك لا يعفيه من مساءلة اختياراته المؤسساتية اليوم.
الدولة التي تتحدث عن الإصلاح الديمقراطي لا ينبغي أن تتعامل مع الصحافة باعتبارها قطاعاً يمكن إدراجه أو إسقاطه بحسب مقتضيات التوازنات الحكومية، بل باعتبارها جزءاً من البنية التي تقوم عليها الرقابة المجتمعية، وتداول المعلومات، ومساءلة السياسات العمومية.
ولعل ما يزيد هذا النقاش إلحاحاً أن العلاقة بين الدولة والصحافة لم تبلغ بعد المستوى الذي يجعل المؤسسات الإعلامية والصحافيين يشعرون بأنهم شركاء في بناء النقاش العمومي، لا مجرد متلقين للقرارات.
وفي هذا السياق، يظل غياب الحوار الصحافي المباشر مع أعلى سلطة في البلاد، كما يراه منتقدون، من القضايا التي تطرح أسئلة بشأن تقاليد التواصل بين المؤسسات الرسمية والإعلام الوطني.
إن تقليد التجارب الديمقراطية التي ألغت وزارات الإعلام من هياكلها الحكومية لا يتحقق بمجرد حذف اسم الوزارة من قائمة الحقائب.
الدول التي اختارت هذا المسار نقلت الاختصاصات إلى مؤسسات وآليات بديلة، وحددت المسؤوليات، وأقامت ضمانات قانونية ومؤسساتية تتيح استمرار الخدمات العمومية من دون تحويل الإعلام إلى قطاع بلا مرجعية واضحة.
أما أن تختفي الوزارة أولاً، ثم تبدأ الأسئلة عن الاختصاصات والموظفين والدعم وبطاقات الصحافة والملفات الاجتماعية، فذلك يعني وضع العربة أمام الحصان. فالانتقال المؤسساتي، إن كان هو المقصود، يحتاج إلى خطة معلنة، وجدول زمني واضح، وتحديد دقيق للجهة التي ستتحمل كل اختصاص، وضمانات تحول دون تعطيل مصالح الصحافيين والمؤسسات الإعلامية.
الدولة لا تُقاس بعدد الوزارات التي تُحدثها أو تلغيها، بل بقدرتها على ضمان استمرارية المرافق العمومية وحماية الحقوق وتوضيح المسؤوليات. وإذا كان إسقاط وزارة التواصل مقصوداً، فمن حق الرأي العام أن يعرف مبرراته وأهدافه والبدائل التي ستعوضها.
وإذا كان مجرد سهو في هندسة الحكومة، فإن تصحيحه يجب ألا يقتصر على إلحاق القطاع بوزارة أخرى، بل ينبغي أن يشمل توضيحاً رسمياً يبدد الغموض ويطمئن المعنيين.
إن الصحافة ليست عبئاً إدارياً يمكن التخلص منه، ولا مجرد بند في ميزانية الدولة. إنها مرفق حيوي في الحياة الديمقراطية، ووسيط أساسي بين المجتمع والمؤسسات، وأداة للمساءلة وكشف الاختلالات.
ومن ثم، فإن تغييب الإطار المؤسساتي الذي يدبر شؤونها من دون تقديم بديل واضح يبعث برسالة مقلقة إلى الجسم الصحافي، حتى وإن لم تكن تلك هي الرسالة المقصودة.
فهل تتدارك الدولة المغربية هذا الغياب وتوضح للرأي العام مصير قطاع التواصل، أم تترك الصحافيين والمؤسسات الإعلامية وموظفي الوزارة في مواجهة الغموض والانتظار؟
إن أخطر ما في دولة بلا وزارة للتواصل ليس اختفاء حقيبة وزارية، بل أن يصبح التواصل نفسه غائباً حين تكون الدولة مطالبة بتفسير قراراتها.















