أعاد مشهد توقّف الملك فيليبي السادس والملكة ليتيثيا في المقبرة الإسلامية بسيدي امبارك، أمام قبور مهاجرين قضوا أثناء محاولتهم بلوغ سبتة المحتلة، إلى الواجهة حقيقةً كثيراً ما تحجبها لغة الأرقام وخطاب التدفقات الحدودية: أن وراء كل محاولة عبور إنساناً له اسم وعائلة، وأن الموت لا يُسقط حق الضحايا في الكرامة، حتى وإن انتهت رحلتهم بعيداً عن أوطانهم.
غير أن هذا المشهد، الإنساني في ظاهره، لا يحجب سؤالاً جوهرياً: ما قيمة الترحم على من فقدوا حياتهم، إذا ظلت أوضاع من نجوا من العبور، ولا سيما القاصرون غير المصحوبين وطالبوا اللجوء، موضع انتقادات حقوقية.
ضمن هذا السياق بالتحديد، لا يمكن تجاهل التقرير الذي نشرته منظمة العفو الدولية في 30 شتنبر 2026، عقب زيارة ميدانية أجرتها المنظمة إلى سبتة بين 10 و15 شتنبر المنصرم. فقد أوردت المنظمة شهادات منسوبة لمهاجرين وطالبي لجوء تحدثوا عن تعرضهم لأعمال ضرب ومضايقة وإهانة، منسوبة لعناصر من القوات المسلحة الإسبانية، فضلاً عن الاستيلاء على أموال وهواتف محمولة ومصادرتها أو إتلافها.
واعتبرت المنظمة أن بعض هذه الممارسات قد ترقى إلى مرتبة التعذيب أو المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. كما سلط التقرير الضوء على ظروف استقبال غير لائقة، وعلى أوضاع هشاشة مضاعفة يعيشها القاصرون غير المصحوبين بذويهم والنساء وطالبو اللجوء.
يجدر التذكير بالمناسبة إلى كون الالتزامات القانونية لإسبانيا في هذا المجال واضحة. فالمادة الثالثة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان تحظر التعذيب والمعاملة اللاإنسانية بشكل مطلق، واتفاقية حقوق الطفل تفرض حماية خاصة للقاصرين غير المصحوبين، وقانون اللجوء الإسباني والأوروبي يفرض احترام مبدأ عدم الإعادة القسرية وضمان حق كل فرد في طلب الحماية الدولية.
من هنا فالسؤال الذي يطرحه تقريرمنظمة العفو الدولية هو: هل تُحترم هذه الالتزامات داخل مراكز الاستقبال المؤقتة وعلى طول معبر سبتة؟
إن الترحم على الموتى، بغض النظر عن الحسابات السياسية التي تكمن خلفه، لا يمكن أن يكون بديلاً عن حماية الأحياء. فمصداقية الدول لا تُقاس بما تقوله أمام القبور في المناسبات الرمزية، بل بما تفعله داخل مراكز الاستقبال وغرف التحقيق، وبمدى قبولها للرقابة والمساءلة عندما تُطرح ادعاءات خطيرة بشأن ممارسات أجهزتها.
إن المعيار الحقيقي للمصداقية الحقوقية لا يتحدد فقط بكيفية توديع الموتى، بل قبل ذلك بكيفية معاملة الأحياء.















