لم تكن نتائج الانتخابات التشريعية لـ 23 شتنبر 2026 في دائرة تطوان مجرد أرقام جديدة تضاف إلى سجل الاقتراعات، بل شكلت اختباراً لحلم ظلت مكونات “تحالف اليسار” تراهن عليه منذ سنوات: هل يستطيع توحيد صفوفه وتحويل هذا التوحيد إلى اختراق انتخابي في الدوائر التي ظل فيها حضوره محدوداً؟
على المستوى الوطني، بدا الجواب مشجعاً. فقد انتقل تحالف اليسار، المكون من الحزب الاشتراكي الموحد وفيدرالية اليسار الديمقراطي، من مقعدين سنة 2021 إلى ثمانية مقاعد سنة 2026، لكن تطوان قدمت صورة مختلفة تماماً.
مخلفات 2021
لفهم نتيجة 2026، لا بد من العودة إلى انتخابات 2021، حين برز انقسام حاد بين مكونات تحالف اليسار إذ انسحب “الحزب الاشتراكي الموحد” من “فيدرالية اليسار”، وخاض الطرفان الانتخابات بشكل مستقل. وفي تطوان، حصل الاشتراكي الموحد على 1065 صوتاً، بينما حصلت فيدرالية اليسار الديمقراطي على 827 صوتاً.
لم يكن الانقسام مجرد اختلاف بين لائحتين متنافستين. فالانشقاقات التنظيمية تترك عادة آثاراً تتجاوز يوم الاقتراع: قواعد منفصلة، وحساسيات سياسية، وأحياناً قطيعة شخصية بين فاعلين كانوا يعملون داخل إطار واحد. لذلك كان تحالف 2026 خطوة مهمة في تجاوز ذلك الانقسام، لكنه لم يكن كافياً لاستعادة التلاحم المفقود. فالوحدة الانتخابية يمكن أن تجمع القيادات واللوائح، لكنها لا تعيد في وقت وجيز بناء شبكة اجتماعية وتنظيمية مشتركة.
حين لا يكفي المرشح الجيد
قدم “تحالف اليسار” مرشحا كفؤا في شخص الدكتور إدريس أفتيس المحام بهيئة تطوان، وهو يتمتع بسمعة جيدة في محيطه المهني والجمعوي والأكاديمي إضافة لعضويته جماعة تطوان. كما ضمت اللائحة الجهوية المهندسة جويرية لفحل وهي وجه نسائي شاب يشق طريقه بثبات في عالم السياسة المحلية.
لكن ذلك لم يكن كافيا لخلق المفاجأة. فالانتخابات تحتاج إلى ما هو أبعد من صورة المرشح وحجم شعبيته، إذ تحتاج إلى امتداد اجتماعي يستطيع من خلاله المرشح والحزب الوصول إلى شرائح واسعة من الناخبين. كما لا يمكن أن نغفل بهذا الصدد تواضع الإمكانيات المالية واللوجستيكية للتحالف، والتي كان لها تأثير ملموس على سير الحملة. ومع ذلك يظل اختزال النتيجة في عامل المال تفسيرا جزئيا، فكم من مرشحين توفرت لهم إمكانيات للحملة باذخة على الطريقة الأمريكية ومع ذلك لم يفوزوا. فالأفضلية تبقى للأحزاب التي تمتلك تنظيماً محلياً قوياً، قادرا على الوصول إلى الناخبين، وتعبئة الأنصار، ومراقبة مكاتب التصويت، والحضور الميداني.
من جهة أخرى، أظهرت نتائج انتخابات 23 سبتمبر 2026 تراجعا واضحا لمجموعة من الأحزاب داخل المجال الحضري مقارنة مع نتائج انتخابات 2021، مما يعني أن الناخب التطواني بعث رسالة تعبر عن الاستياء من أداء بعض الأحزاب أوعدم رضاه عن وكلاء لوائحها (التجمع الوطني للأحرار، الاتحاد الاشتراكي). لكن السؤال المركزي هنا: لماذا لم يتحول هذا المزاج الاحتجاجي إلى أصوات انتخابية لفائدة “تحالف اليسار” كما تحول جزء منه ل”حزب العدالة والتنمية” الذي استرجع مقعده البرلماني؟ ألا يدل ذلك على كون جزء من التصويت الاحتجاجي الراغب في تغيير موازين القوى وجد عناوين انتخابية أخرى خارج “تحالف اليسار”؟
تحولات مجتمعية: منطق اللي “فيدو الشغول”
أدى تصاعد وتيرة الهجرة القروية نحو المدن أصبح سكان المدن يناهزون نسبة 63 بالمائة من الساكنة، إلى اتساع ظاهرة البناء العشوائي والأحياء غير المربوطة بشبكات التطهير والماء والكهرباء. وفي هذا السياق يفضل المرشح اللي فيدو الشغول على حساب “ولد الناس”. فالمواطن عموما، خصوصا في الأحياء الشعبية وأحزمة الفقر يفضل المرشح اللي فيدو الشغول على حساب “ولد الناس”. فالمواطن عموما لا يثق كثيرا في قدرة برامج الأحزاب السياسية على الاستجابة لحاجياته الآنية، وبالتالي يفضل أن يمنح صوته للمرشح القادر على أن يكون وسيطا له مع الإدارة، وعلى توفير رخصة لإضافة طابق إضافي فوق السطوح، أو يربط مسكنه الذي هو جزء من حي بني عشوائيا، بشبكة التطهير السائل وبالماء والكهرباء، ويدعمه في المأتم أو الأفراح الصغيرة، يصبح أكثر قيمة من مرشح يقدم برنامج اقتصادي واجتماعي متكامل. وعلاوة على ذلك، فإن بروفايل هؤلاء ” المقاولين الجدد” قريبا من السلطات المحلية ومن الأحزاب الموالية للإدارة، ومن هنا يكون لهم دور حاسم في حشد الأصوات كما يحدث في مجموعة من الأحياء الشعبية مثل جبل درسة وكويلما وجامع مزواق.
المنافس والبديل الوحيد الناجح لنموذج “مقاول الانتخابات”، يتمثل في تيار الإسلام السياسي عموما و”جماعة العدل والإحسان” وفي “حركة الإصلاح والتوحيد” التي تتكامل وظيفيا مع “حزب العدالة والتنمية”. فهذا التيار يشتغل منذ عقود بدون كلل ولا ملل على تأسيس شبكة واسعة ومتنوعة من الجمعيات التي تشتغل طوال السنة لتقديم خدمات اجتماعية، مما يكسبه تعاطف فئات واسعة من المجتمع التي تتحول في نهاية المطاف خزانا انتخابي.
أزمة اليسار المغربي
لا يتسع المجال للخوض في مجمل الإشكالات الايديلوجية والسياسية والتنظيمية التي جعلت اليسار المغربي عموما ومكونات ” تحالف اليسار” خصوصا لا تتوفر على وزن سياسي مؤثر وقاعدة جماهيرية ضاغطة لتحقيق الإصلاحات وإيقاف تغول الأحزاب الحكومية التي بلغت ذروة توحشها في حكومة أخنوش.
ما سنسعى إليه في خاتمة هذا المقال هو طرح التساؤل التالي: مالذي يربط المواطن بالحزب السياسي خارج الزمن الانتخابي؟ وبصيغة أخرى أين يوجد هذا اليسار خارج فترة الانتخابات؟
اكتفينا أعلاه بالإشارة إلى تجربة تيار الإسلام السياسي المغربي الذي تبنى مقاربة ” العمل الإحساني” مما مكنه من خلق شبكة واسعة من العلاقات ومن المتعاطفين، بينما تظل معضلة هذا اليسار تتمثل في تقلص حاد لمنسوب الشعبية والقدرة على التعبئة والتأثير داخل الأوساط التي كانت تمثل حاضنته الرئيسة مثل الجامعة والنقابات وأوساط الشباب. من هنا فإن المهمة الأولى في نظري المتواضع، تكمن في إعادة النظر في تحليله ونظرته للواقع المركب وأساليب العمل بما يتلاءم مع التحولات الاجتماعية والديمغرافية والتكنولوجية والقيمية داخل المجتمع المغربي، وقبل كل هذا وذاك تجاوز مرضه التاريخي المتمثل في تضخم الأنا لدى زعمائه والانقسام تلو الانقسام.














