لوبوكلاج : تطوان
كان من المعتقد أن الارتجال و “الدوخة السياسية” هما من سمات مجتمعات “العالم الثالث” حيث يتغلب “المزاج” على العقل والتعقل، لكن الحالة الإسبانية تضعنا أمام ارتجال و”دوخة سياسية”، من الصنف “الديموقراطي”، لبلد يعتقد نفسه ضمن “العالم المتقدم” منذ حوالي نصف قرن، ليس أكثر (وربما شبه لهم).
* عبد العزيز الطريبق
كان من المعتقد أن الارتجال و “الدوخة السياسية” هما من سمات مجتمعات “العالم الثالث” حيث يتغلب “المزاج” على العقل والتعقل، لكن الحالة الإسبانية تضعنا أمام ارتجال و”دوخة سياسية”، من الصنف “الديموقراطي”، لبلد يعتقد نفسه ضمن “العالم المتقدم” منذ حوالي نصف قرن، ليس أكثر (وربما شبه لهم).
فإسبانيا تغلي كالمرجل وتعيش حالة من الاضطراب، القريب من الفوضى، لا نتمناه لجار تجمعنا به مصالح كثيرة كانت تسمح (لحد الآن) بتدبير الخلافات بهدوء.
ففي كتالونيا تحرق الرايات الإسبانية من أنصار استقلال كتالونيا، وفي بلاد الباسك يرفض جمهور ملعب سان ماميس الاحتفال بفوز إسبانيا بكأس العالم من خلال تكريم لاعبي أتلتيك بلباو في المنتخب، وفي غاليسيا يتنامى التيار الانفصالي…
وفي سبتة تعجز إسبانيا، أو ترفض بعض أطرافها لحساباتها السياسية الضيقة، حل مشكل أزمة موجة الهجرة الجماعية.
فبالرغم من إعلان المغرب استعداده، منذ البداية، لاسترجاع مواطنيه “المهاجرين” لسبتة، بمن فيهم القاصرين، ووضع نفسه رهن إشارة السلطات هناك للإسراع بتحديد هوية الموجودين بالمدينة المحتلة قصد إعادتهم للمغرب، وبالرغم من عودة الأغلبية الساحقة ممن دخلوا سبتة… فهناك “عجز” أو انعدام الرغبة في الإسراع بتصفية تلك النسبة من المغاربة التي مازالت هناك… وكأنهم رهائن في يد اليمين واليمين المتطرف لبث الرعب في سكان سبتة وتنمية درجة الحقد والعنصرية لديهم. فلقد أريد للمغرب و”للمورو” أن يكون تلك الشماعة التي تعلق عليها هفوات النظام السياسي في إسبانيا ونواقصه وتسمح بتأجيج ذلك الحقد الدفين، غير المنطقي الذي يسكنهم هناك ضد “المورو”…
وقد جاءت تقارير شرطتهم وأجهزتهم و”عيونهم اليقظة” في المغرب لتسفه كل هذيانهم حول “الغزو” المغربي وحول “الحرب الهجينة” وغيرها من الخزعبلات… لكن، نار اليسار واليمين، وأقصاهما، لم تخمد بعد، بل شاهدنا عودة روح الملكة إيزابيلا الكاثوليكية بإشهار الجموع للحقد على كل ما هو مسلم، بل حتى على اليهود، وكأن القوم، الذين كنا نعتقدهم قد دخلوا القرن العشرين، بصدد إعادة مرحلة “لا روكونكيستا”، بإعلانهم كون إسبانيا “دولة مسيحية” وليست دولة لكل الديانات بل حتى للا دينيين، كما يفترض في دولة ديموقراطية تدعي العلمانية…
لا شك أن هذا “سيسر” أيما سرور مسلمي سبتة ومليلية وباقي إسبانيا من المجنسين أو المعتنقين للإسلام حديثا من الإسبان… والمثير في هذه “التلفة” الإسبانية، أن رئيس الحزب الشعبي المعارض، أحد رواد فكرة “الغزو المغربي”، المهيجة للجموع، ظل يصرح بأن أول زيارة رسمية له، إن انتخب رئيسا، ستكون للمغرب حفاظا على العلاقات “المتميزة” ! أخشى أن يضطر للانتظار طويلا…
وفي خضم هذه اللخبطة يأتي قرار إعطاء الجنسية لسكان الصحراء المغربية وتيندوف الذي صوت عليه البرلمان الإسباني بأغلبية نسبية، قوامها الحزب الاشتراكي الحاكم الخاضع لابتزاز أقليته المتياسرة التي تمنحه فرصة الوجود على رأس الحكومة.
لن أناقش هنا انعكاس القرار الاستعماري بأثر رجعي، على السياسة المغربية، فالموضوع حديث العهد ويتطلب التفكير المتأني، ولا شك أن المغرب سيتصرف فيه بما يضمن حقوقه وسيادته.
لكن المثير وشبه المضحك في الأمر، أن يتولى “حزيب” يساري متطرف مسؤولية السهر على تنفيذ “تعهد” اتخذته إسبانيا الاستعمارية منذ 50 سنة وأكثر.
ومما يضفي على الأمر غرابة، تفوق غرابة عالم سيرفانطيش وكيخوطيه الشهير، هو فرحة أنصار البوليساريو بهذا القرار الذي اعتبروه “تاريخيا” (وقد “ناضلت” من أجل تحقيقه البرلمانية الإسبانية-الصحراوية تيش سيدي منذ حوالي 3 سنوات).
كيف يمكن أن يحتفل أعضاء منظمة، بنيت في بداياتها على النضال ضد المستعمر الإسباني، بالعودة إلى أحضان Abuela الجدة الإسبانية؟ ثم والحالة هذه ما الذي سيفعلونه ب”الجمهورية العربية الصحراوية الديموقراطية”، هل ستتحول إلى “الجمهورية الملكية العربية الصحراوية الإسبانية الديموقراطية”؟
والله لعبث ! لا شك أن رفات الوالي، مؤسس البولساريو، تتحرك غيظا في قبره (إن كان له قبرا)، وهو “المهووس” بالنضال ضد الاستعمار الإسباني كما عرفه من صادفه في تجمعات الحي الجامعي الطلابية، بالرباط، في بداية السبعينات من القرن الماضي.
تصوروا أن يتمكن عربي إسرائيلي، في الكنيسيت، من تمرير قانون يتيح الجنسية الإسرائيلية لكل الفلسطينيين الذين طردوا من أرضهم خلال النكبة.
هل كانت فتح أو حماس أو الشعبية، ستتعتبر القرار كمكسب تاريخي؟
ومن مظاهر اللخبطة التي أسقطت الساسة الإسبان وصحافيين وقطاعات واسعة من الإسبان في بلاهة تبرير قانون الجنسية هذا، وضعه في إطار “إصلاح الضرر”… على من يضحكون؟
هل فكروا في إصلاح الضرر الذي لحق الريف من جراء قنابلهم الكيماوية، أو في إصلاح أضرار الحرب التي شنها جيشهم على تطوان و شمال المغرب سنة 1860 والتي اجتر المغرب انعكاساتها السلبية؟
ثم هل فكروا في تسهيل مسطرة الجنسية أمام أحفاد الموريسكيين المسلمين المغاربة كما فعلوا مع أحفاد اليهود السيفاراد الأندلسيين الذين طردوا في دفعة واحدة؟
إنه الكيل بمكيالين الفاضح للعمق العنصري للفكر السياسي الإسباني بيساره ويمينه… ويدعون “الديموقراطية” !
حقيقة إن الجار الإسباني صار مقلقا، بل مزعجا، وأصبح الوضع، رغم “المنجزات” الاقتصادية والاجتماعية التي يستعرضها الرئيس سانشيز، يشبه وضع اسبانيا قبيل الحرب الشعبية لسنة 1936.
يسار يحكم مستندا على أقصى اليسار، وأقصى اليسار يمارس صبيانيته السياسية التي يستعملها اليمين لتخويف الجموع، وتصاعد الطلب الاستقلالي و”منة” الغزو المغربي” التي استعملها الجميع بداية للتعبئة ولاستجداء الدعم الأوروبي، والتي انفرد بها اليمين وأقصى اليمين فيما بعد، حين اتضح للحزب الاشتراكي خواء فكرة “الغزو” و”الحرب الهجينة”…
لا شك أن المغاربة استخلصوا ما يكفي من الدروس من هذا التخبط الذي يؤكد على أهمية الاستقرار والالتفاف حول راية البلد، الحائط الذي يحتمون به بسلبياته وإيجابياته…















