بعد تأكيد حضورهم في العرس الكروي العالمي، تتجه انظار عشاق الساحرة المستديرة نحو بطولة ستكون مفصلية بكل ما تحمله الكلمة من معنى. حيث سيكون هذا المونديال مسرحا تاريخيا يشهد على اسدال الستار ونهاية احدى اجمل القصص التي كتبت في تاريخ كرة القدم، قصة بطلين استثنائيين امتعا اجيالا متعاقبة وحققا كل ما يمكن تخيله في عالم المستديرة.
نحن هنا امام لحظة الوداع للاسطورتين كريستيانو رونالدو وليونيل ميسي. سيدخل الدون البرتغالي هذا المعترك وهو في عامه الواحد والاربعين، متربعا على عرش هدافي كرة القدم عبر تاريخها، في مهمة اخيرة لمحاولة تحقيق الشيء الوحيد الذي عانده وتهرب منه طوال مسيرته الاسطورية المليئة بالانجازات والالقاب، الا وهو كأس العالم. رونالدو سيقاتل بشراسة من اجل القطعة الناقصة في لوحته المذهلة.
وفي الضفة الاخرى، يأتي البرغوث الارجنتيني ليونيل ميسي الى هذا المونديال بثوب البطل المتوج، حاملا اللقب الذي طالما حلم به، قادما لتقديم رقصة اخيرة مع التانغو، رقصة وداع خالية من الضغوطات، يريد من خلالها ان يمتع نفسه ويمتع عشاقه قبل ان يودع المسرح العالمي للابد.
واذا كانت كرة القدم تقاس بالارقام والالقاب والانضباط التكتيكي الصارم مع العملاقين ميسي ورونالدو، فان مقياسها يختلف تماما عندما يتعلق الامر بالفتى المدلل نيمار. مسيرة البرازيلي اختلفت عن هذا الثنائي، فمقياس عظمة لاعب مثل نيمار لا يكمن في عدد الكؤوس او الاهداف فحسب، بل في مقدار المتعة الخالصة والسحر البرازيلي الاصيل الذي ينثره على المستطيل الاخضر. ورغم لعنة الاصابات المتكررة، ورغم بعض القرارات التي اعتبرت خاطئة في مسيرته الاحترافية، يبقى نيمار، وهو في سن الرابعة والثلاثين، يملك مكانة خاصة ودافئة في قلب كل عاشق لكرة القدم الجميلة. وقد تجلى هذا الحب الجارف وتلك المكانة الاستثنائية في اجواء الفرح العارمة والاحتفالية التي عمت قاعة الندوة الصحفية، تحديدا في اللحظة التي نطق فيها المدرب كارلو انشيلوتي اسم “نيمار دا سيلفا جونيور” ضمن لائحة المونديال، ليعلن رسميا عودة الساحر لارتداء قميص السامبا بعد غياب طويل دام حوالي ثلاث سنوات، ليكون هذا المونديال بحق ختاما يليق بجيل من العباقرة.
في النهاية، لن يكون مونديال 2026 مجرد بطولة تتنافس فيها المنتخبات على الذهب، بل سيكون بمثابة شريط ذكريات دافئ وطويل يمر امام اعين عشاق كرة القدم مع كل لمسة للكرة من هؤلاء الاساطير. ومع كل تسديدة و ارتقاء لرونالدو، وكل مراوغة ولمسة ساحرة لميسي، وكل ابتسامة مشاغبة لنيمار، يستعيد الجمهور تلك الايام الخوالي، ايام الطفولة والشباب حين كان الجميع ينتظر مبارياتهم بشغف كبير.
ستبقى في الذاكرة ليالي الكلاسيكو المجنونة، وسهرات دوري الابطال التي سمرت الملايين امام الشاشات، وتلك النقاشات الطويلة بين الاصدقاء حول من الافضل. وعندما يطلق الحكم صافرة النهاية في هذا المونديال، لن تنتهي مباراة فحسب، بل ستغلق الى الابد اجمل صفحة في كتاب الذكريات الكروية لجيل كامل. سيودع عالم المستديرة عصر الديناصورات بدموع الحنين، لكن العزاء الوحيد الذي يواسي الجماهير، هو ان هذا الجيل كان محظوظا جدا ليعيش في زمانهم، وليشهد على سحر ميسي، واصرار رونالدو، وجنون نيمار فوق ارضية الميدان.















