مرة أخرى، يخرج محمد أوزين ليتحدث باسم الصحافيين، لا دفاعًا عن استقلالية المهنة، بل دفاعًا عن استمرار الريع الحكومي الذي خنق الصحافة المغربية وحول جزءًا كبيرًا منها إلى قطاع يعيش على الإعانات المباشرة بدل الاحتكام إلى قواعد المهنية والاستقلال الاقتصادي.
الأمين العام لحزب يوجد نظريًا في المعارضة، اختار أن يهاجم الحكومة بسبب “تأخر أجور الصحافيين”، لكنه تجاهل السؤال الحقيقي: لماذا أصبحت الدولة أصلًا تدفع أجور الصحافيين بشكل مباشر؟ وكيف تحولت الصحافة من سلطة رقابية مستقلة إلى قطاع ينتظر التحويلات البنكية الشهرية من حكومة أخنوش؟
الأخطر في خطاب أوزين أنه حاول الربط بين هذا الوضع وبين تصنيف منظمة مراسلون بلا حدود، في تناقض صارخ مع أحد أهم معايير حرية الصحافة في العالم: الاستقلالية الاقتصادية والتحرر من تحكم السلطة والمال السياسي.
لا أحد يعارض الدعم العمومي الموجه للصحافة، فذلك معمول به في دول ديمقراطية عديدة، لكن الفارق كبير بين دعم المؤسسات الصحفية وفق معايير واضحة وشفافة، وبين تحويل الدولة إلى “مؤدّي أجور” مباشر للصحافيين. في التجارب الديمقراطية، يُمنح الدعم لتقوية المقاولات الإعلامية وحماية التعددية، لا لصناعة التبعية وإعادة إنتاج الولاءات.
ما يحدث اليوم هو تكريس لوضع شاذ: صحافيون يتقاضون عمليًا جزءًا من دخلهم من السلطة التنفيذية، ثم يُطلب منهم ممارسة الرقابة على السلطة نفسها. أي استقلالية يمكن الحديث عنها في هذا النموذج المختل؟
كان الأجدر بمحمد أوزين، وهو الذي يقدم نفسه كصوت معارض، أن يطالب بإصلاح جذري لمنظومة الدعم، وربطها بالشفافية والاستقلالية والحكامة، لا أن يتحول إلى محامٍ سياسي عن الريع الحكومي الذي أضعف الصحافة وأفقدها جزءًا كبيرًا من ثقة المجتمع.
إن الدفاع الحقيقي عن الصحافة لا يكون بالمطالبة بتسريع صرف “الأجور الحكومية”، بل ببناء إعلام قوي ومستقل اقتصاديًا ومهنيًا، قادر على العيش من جمهوره ومن جودة محتواه، لا من رضى السلطة أو سخائها المالي.














