أمريكا توقع مع المغرب خارطة طريق دفاعية لمدة 10 سنوات وتزوده بتكنولوجيا “الناتو”. فهل يتحول المغرب إلى شريك فعلي في حرب هرمز؟
بين 14 و16 أبريل 2026، اجتمع قادة الدفاع المغاربة والأمريكيين في واشنطن في توقيت بالغ الحساسية، إذ تشن البحرية الأمريكية حصارا فعليا على مضيق هرمز وتواجه إيران في مواجهة مفتوحة.
فهل كان الاجتماع مجرد تعاون عسكري اعتيادي، أم أنه حلقة في استراتيجية أمريكية أوسع لـ”تأمين الجبهتين” الشرقية والغربية للممرات المائية الحيوية؟
البداية كانت من داخل قاعة الاجتماعات المغلقة بمبنى البنتاغون، حيث استقبل وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث وفدا رفيع المستوى من الرباط، يضم عبد اللطيف لوديبي ومحمد بريط، بحضور سفيري البلدين.
اللقاء الذي استمر ثلاثة أيام لم يكن دوريا، بل جاء ليعلن عن توقيع “خارطة طريق للتعاون الدفاعي 2026-2036” – وهي وثيقة تمتد لعقد كامل وتتضمن نقل تكنولوجيا عسكرية متقدمة كانت حكرا على حلف شمال الأطلسي.
وعلى الجانب الآخر من الكرة الأرضية، وتحديدا في مياه الخليج العربي، تواجه القوات الأمريكية تحديا وجوديا.
فمنذ منتصف أبريل، تفرض واشنطن حصارا بحريا على الموانئ الإيرانية، مدعومة بأكثر من 10 آلاف جندي و12 سفينة حربية وأكثر من 100 طائرة، وفق ما أعلنه الجنرال دان كاين رئيس هيئة الأركان الأمريكية، الذي شدد على أن “الحصار يشمل جميع السفن المتجهة من وإلى إيران”.
وبينما كان الانشغال العسكري الأمريكي يبلغ ذروته في الشرق الأوسط، كانت واشنطن توقع في الغرب على شراكة استراتيجية مع الرباط تهدف إلى تحويل المغرب إلى “قاعدة خلفية” متطورة تكنولوجيا.
غير أن اللافت بحسب البيان الختامي للجنة الاستشارية للدفاع المغربية-الأمريكية، هو أن المباحثات ركزت على ثلاثة محاور رئيسية تكشف حجم التحول: أولها صناعة الدفاع عبر فتح المجال لأكثر من 40 شركة تكنولوجية أمريكية لاختبار أنظمتها القتالية على الأراضي المغربية، وثانيها الأمن السيبراني لمواجهة هجمات إلكترونية محتملة من “جهات إقليمية”، أما ثالثها وأهمها نقل تكنولوجيا الناتو عبر نظام Link-16، الذي يربط القوات المغربية مباشرة مع القيادة المركزية الأمريكية في الوقت الفعلي.
في حين، حملت التصريحات الرسمية التي أعقبت اللقاء دلالات سياسية واضحة. فوكيل وزارة الحرب الأمريكية إلبريدج كولبي قال إن “خارطة الطريق هذه تمتد لعلاقات دفاعية بدأت قبل 250 عام، عندما كان المغرب أول دولة تعترف بالولايات المتحدة”. بينما أشاد وزير الحرب بيت هيغسيث بـ”قوة العلاقات التي تنتشر في المنطقة”. أما من الجانب المغربي، فأكد البيان الرسمي للقوات المسلحة الملكية أن الرباط “ثمنت الموقف الأمريكي الداعم للسيادة الكاملة للمملكة على صحرائها”، في ربط واضح بين الدعم العسكري والاعتراف الدبلوماسي.
ولكي نفهم لماذا الآن تحديدا، تجدر الإشارة إلى أن هذا التوقيت يتزامن مع تصريحات متشددة من القيادة الأمريكية في الخليج، حيث أوضح الجنرال كاين أن “الإجراء الأمريكي هو حصار للموانئ الإيرانية، وليس لمضيق هرمز” ذلك في محاولة لتضييق الخناق على طهران دون إعلان حرب شاملة.
إذن، بينما تركز أمريكا قدراتها البحرية والجوية على إيران في الجبهة الشرقية، فإنها تعمل في الوقت نفسه على تأمين الجبهة الغربية حيث البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، عبر تعزيز قدرات المغرب. وهذا يمنحها ثلاث مزايا استراتيجية: حرية الحركة لنقل القوات والإمدادت بين الجبهتين، والردع غير المباشر لمنع إيران أو حلفائها من فتح جبهة جديدة في شمال أفريقيا، والسيطرة على مضيق جبل طارق كبديل استراتيجي في حال تعطل الملاحة في هرمز.
أما بالنسبة للمغرب، فإن هذه الاتفاقية تمثل قفزة نوعية من “حليف خارج الناتو” إلى “شريك في العمليات القتالية”.
الحصول على نظام Link-16 يعني أن القوات المغربية سترى نفس الصورة الاستخباراتية التي يراها الجندي الأمريكي في الخليج، كما أن تحويل الأراضي المغربية إلى “أرض اختبار” لأسلحة 40 شركة أمريكية يضمن ضخ تكنولوجيا متطورة واستثمارات دفاعية واعدة.
في الختام، ما يجري ليس مجرد أزمة عابرة في مضيق هرمز، بل هو إعادة رسم للخريطة الجيوسياسية للعالم. فبينما تضعف إيران القدرات الأمريكية في الشرق، تحصن واشنطن حليفها المغربي في الغرب، ليكون درع متقدم لأوروبا وأمريكا في آن. ووسط هذا كله، يتحول المغرب من دولة هامشية إلى لاعب محوري في معادلة الأمن العالمي مقابل ثمن سياسي واضح: الاعتراف بمغربية الصحراء والانخراط الكامل في الرؤية الدفاعية الأمريكية للعقد القادم.
لكن هل هذا ثمن كاف ليصبح المغرب درعا لأمريكا وحقل تجاربها في آن واحد؟














