يثير إسناد مسطرة الإحصاء المتعلق بالخدمة العسكرية إلى وزارة الداخلية المغربية بدل الوزارة المنتدبة لدى رئيس الحكومة المكلفة بإدارة الدفاع الوطني نقاشاً مؤسساتياً يتجاوز البعد التقني إلى سؤال أعمق يرتبط بفلسفة توزيع السلطة داخل الدولة. فالتجنيد، وإن كان يبدأ بإجراءات إدارية تتصل بالمعطيات السكانية والتبليغ المحلي، يظل في جوهره قراراً دفاعياً سيادياً يرتبط بالأمن القومي وببنية القوات المسلحة، وليس مجرد عملية ضبط إداري. من هنا تنشأ الإشكالية: هل ينسجم إسناد هذه المرحلة إلى وزارة الداخلية مع منطق التخصص الوظيفي الذي تقوم عليه الدولة الدستورية الحديثة؟
لا يوجد في دستور المغرب 2011 ما يمنع قانوناً هذا التوزيع، كما أن قانون الخدمة العسكرية المغربي أسند صراحة مهمة الإحصاء إلى السلطات التابعة لوزارة الداخلية. غير أن غياب التعارض الدستوري لا يعني بالضرورة أن الترتيب هو الأمثل من زاوية الحكامة المؤسساتية.
فالدولة الحديثة لا تُبنى فقط على الشرعية القانونية، بل أيضاً على وضوح الاختصاص وتقليص التداخل بين الوظائف ذات الطبيعة المختلفة.
عند النظر إلى التجارب المقارنة، يظهر اتجاه عام نحو الفصل الصريح بين الأمن الداخلي والدفاع العسكري.
في فرنسا، تخضع الشرطة الوطنية إلى وزارة الداخلية الفرنسية، بينما تشرف وزارة القوات المسلحة الفرنسية على كل ما يتعلق بالقوات المسلحة والموارد البشرية العسكرية.
وحتى خلال فترة التجنيد الإجباري قبل تعليقه سنة 1997، كانت إدارة العملية مرتبطة بالبنية الدفاعية لا بوزارة الداخلية، تكريساً لوحدة الإشراف داخل القطاع العسكري.
الأمر نفسه نجده في إسبانيا، حيث تتولى وزارة الداخلية الإسبانية تدبير الشرطة والأمن الداخلي، بينما تشرف وزارة الدفاع الإسبانية على القوات المسلحة، بما في ذلك تنظيم الموارد البشرية العسكرية. ورغم تعقيد البنية اللامركزية الإسبانية، لم يُسند أي جانب من جوانب التجنيد إلى وزارة الداخلية، حفاظاً على وضوح الفصل بين المجالين.
أما في ألمانيا، فقد كرّست التجربة الدستورية بعد الحرب العالمية الثانية حساسية خاصة تجاه تركيز أدوات القوة داخل جهاز واحد. الشرطة تخضع لوزارات الداخلية على مستوى الولايات، في حين يخضع الجيش لــ وزارة الدفاع الألمانية، وكان التجنيد، قبل تعليقه سنة 2011، يُدار حصرياً ضمن الإطار الدفاعي.
ويعكس هذا الاختيار اقتناعاً بأن الفصل المؤسسي يحد من إمكان تسييس أدوات القوة أو تداخل وظائفها.
وفي الولايات المتحدة، لا تضطلع وزارة الداخلية بأي دور في التسجيل العسكري، بل يوجد جهاز مستقل هو Selective Service System يتولى تسجيل المؤهلين للتجنيد، بينما تشرف Department of Defense على القوات المسلحة.
هذا النموذج يعزز الاستقلال الوظيفي ويقلص التداخل بين الأجهزة.
تُظهر هذه المقارنات أن الاتجاه الغالب في الديمقراطيات المعاصرة يميل إلى ربط مسطرة التجنيد مباشرة بالبنية الدفاعية أو بهيئة مستقلة، وعدم إسنادها إلى وزارات الداخلية، حتى عندما تكون هذه الأخيرة صاحبة الاختصاص في تدبير الأمن الداخلي والسجلات السكانية.
فالتجنيد، في نهاية المطاف، ليس مجرد عملية إحصائية، بل هو مدخل إلى المؤسسة العسكرية ويشكل جزءاً من السياسة الدفاعية للدولة.
انطلاقاً من ذلك، يمكن القول إن استمرار إشراف وزارة الداخلية على مرحلة الإحصاء في المغرب يعكس خياراً عملياً أكثر منه خياراً مؤسسياً خالصاً.
غير أن منطق التطور الدستوري ومبدأ التخصص الوظيفي قد يبرران إعادة النظر في هذا الترتيب، ليس بدافع وجود خرق دستوري، بل سعياً إلى تعزيز وضوح المسؤولية وتقليص تركيز الصلاحيات داخل وزارة واحدة تجمع بين الأمن الداخلي والإدارة الترابية ومسطرة التجنيد.
إن إبعاد وزارة الداخلية كلياً عن كل ما له علاقة بالتجنيد، وإسناد هذه المهمة بالكامل إلى إدارة الدفاع الوطني أو إلى هيئة مستقلة، قد ينسجم بصورة أكبر مع فلسفة الفصل بين الأمن الداخلي والدفاع العسكري،
ويعزز مبدأ الشفافية والتخصص، ويكرّس توازناً مؤسساتياً أدق داخل السلطة التنفيذية، بما يتماشى مع الاتجاهات المقارنة في الدول الدستورية الحديثة.















