أصدر المجلس العلمي الجهوي بجهة الدار البيضاء بحر الأسبوع المنصرم نشرة إخبارية توجيهية تعتبر بلاغا، رصدت جملة من الإختلالات المسلكية في بعض مساجد الجهة خلال شهر رمضان المعظم، وهي اختلالات تمس صلب العمل المذهبي الذي استقر عليه حال المغاربة لقرون.
وقد شملت النشرة دعوة صريحة للقيمين الدينيين، من أئمة ومؤذنين، للإلتزام بالثوابت الوطنية، كقراءة الحزب الراتب بعد الصبح والمغرب، وتلاوة دعاء القنوت؛ لكن النقطة التي نالت نصيب الأسد من السجال وأسالت الكثير من المداد في الفضاء الرقمي، هي إشارة المجلس إلى جنوح بعض الأئمة نحو “القبض” (وضع اليمنى على اليسرى) في صلاة الفريضة، عوض “السدل” (إرسال اليدين) الذي اعتبره المجلس من خصوصيات الهوية المغربية. ومع صدور هذا البلاغ، طفت على السطح أصوات لا نعرف لها في العلم سِمياً، تصدرت للإفتاء وتقديم الرأي بجرأة غريبة، بل ووصل الأمر ببعضهم إلى توظيف صور قديمة لأئمة مغاربة للتدليل على أن القبض كان ممارسة تاريخية، وهي صور لا يمكن الركون إلى صحتها أو حجيتها، مما يفرض علينا وقفة تأملية رصينة ومسؤولة.
إن أول ما يجب استحضاره هو مقام الجهة المصدرة لهذا البلاغ؛ أليس هو المجلس العلمي الجهوي الذي يمثل في جوهره المجلس العلمي الأعلى بالمغرب؟
إن هؤلاء الأعضاء هم علماء أجلاء وتقاة، تم اختيارهم وتعيينهم وفق معايير شديدة تكاد تكون تعجيزية لنيل صفة عالم دين أولاً، وعضوية المجلس الأعلى ثانياً، فهل يظن عاقل أن هذه الطينة من العلماء قد تحابي أحداً في دين الله، أو تصدر أحكاماً لا تستند إلى الكتاب والسنة واجتهاد المذهب المالكي؟ إن المجلس حين ينتصر لصفة معينة في العبادة إنما يصدر عن وعي بمقاصد الشريعة في حفظ وحدة الأمة، فالمؤسسة العلمية الرسمية برئاسة أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس نصره الله، حامي الملة والدين، هي المرجع الوحيد لبيان الأحكام في القضايا العامة، وجلالته نفسه يمثل القدوة في الحفاظ على هذا الموروث بتأديته الصلاة سادلاً، تمثيلاً لمذهبنا الأصيل وصوناً لسكينة المصلين.
وبالعودة إلى المرجعية الفقهية، نجد أن المذهب المالكي يرى في “السدل” أصلاً ثابتاً في صلاة الفريضة، ففي “المدونة الكبرى” يقول الإمام ابن القاسم: “قال مالك في وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة، قال: لا أعرف ذلك في الفريضة، وكان يكرهه، ولكن في النوافل إذا طال القيام فلا بأس بذلك يعين به نفسه”.
وهذا النص صريح في أن إمام دار الهجرة كان يرى السدل هو الهيئة الطبيعية للتعبد، وهو ما أكده العلامة خليل في “مختصره” الشهير حين عدّ في مندوبات الصلاة “سدل يديه”، مشيراً إلى أن القبض إنما هو استناد أو اعتماد قد يُلجأ إليه في طول القيام بالنوافل.
فالسدل ليس مجرد عادة، بل هو اتباع لما نقله مالك عن عمل أهل المدينة، والذين يمثل عملهم حجة قوية في استنباط الأحكام، ومع ذلك فإن الفقه المالكي بمرونته المعهودة لا يبطل صلاة من قبض، بل يعتبرها صلاة صحيحة ومقبولة إن شاء الله، إلا أن الالتزام بخصوصية البلد وتوحيد الشعائر خلف إمام الأمة يعد من تمام الأدب مع المذهب ومن أسباب وحدة الصف وضمان السكينة داخل بيوت الله.
والعجيب في هذا السجال أن الذين نصبوا أنفسهم مدافعين عن “القبض” كأنه ركن من أركان الدين، يتناسون أن هذه المسألة لا نجدها في فرائض الصلاة عند المالكية، وفي المقابل، نجد أن من الفرائض هناك: “الطمأنينة” التي تلزم بالضرورة حضور الخشوع، قال تعالى: “قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ”.
وللأسف نلمس غياب هذا الفرض عند غالبية المصلين، رغم أنه فرض يبطل الصلاة ولا يجبر بسجود السهو، فالأولى بالمسلم أن ينشغل بإقامة الصلاة على وجهها الذي يحقق الفلاح، مركزاً على فرائضها وسننها، عوض إثارة الفتنة في هيئات يسع فيها الخلاف ولا تبطل بتركها الصلاة، فالدين “جوامع” من صلاة وصوم وزكاة ومعاملة وحسن جوار وتقوى، ولا يصح حصره في جزئية شكلية ليست من المبطلات.
إجمالاً، وجب على العامة من الناس ترك الأمور الشائكة لأهل الاختصاص لمعالجتها، فكما لا نتدخل في شؤون الطب لوجود الطبيب المختص، ولا في علم الفضاء لوجود علمائه، وجب عدم اقتحام حمى الدين لوجود مؤسسة العلماء الرسمية، فقد قال تعالى: “فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون”.
إن كل من له تساؤل فليتوجه للمجلس العلمي الإقليمي بمدينته مباشرة وسيلقى الجواب الشافي والموثق، صوناً للدين من الفوضى والارتجال، فنسأل الله أن يتقبل عبادتنا بفضله لا بعملنا، وأن يديم على هذا البلد نعمة الوحدة والسكينة تحت ظل القيادة الحكيمةلجلالة الملك محمد السادس نصره الله و أيده .
وإذ نخلص إلى أن وحدة الممارسة الدينية في المغرب هي صمام أمان لاستقرارنا الروحي، فهل يمكن اعتبار العودة إلى إثارة الخلاف في مسائل فرعية محسومة مذهبياً مجرد نقاش فقهي عابر، أم أنها مؤشر على تحولات أعمق في مرجعيات التدين لدى الأجيال الجديدة تتجاوز حدود المسجد لتطال الهوية الثقافية للمجتمع؟
بقلم: البناني سعيد















