ليس مما يُدهش العاقل أن يرى القيم وقد تهاوت، والموازين وقد اختلت، والعقول وقد أُغمِدَت في غياهب الضياع، ولكن المثير للأسى أن تصبح التفاهة تاجًا على الرؤوس، وأن تُنصَّب السطحية إمامًا يُقتدى به، ويُحتفى به في البيوت والمدارس، وتُكرَّس رمزيته في وجدان الناشئة. كأنّما قد أُريد للناس أن يستبدلوا النور بالظل، والعقل بالوهم، والحكمة بالصخب.
ولم يكن هذا المسخ نابعًا من فراغ، بل هو نتيجة مباشرة لمسارٍ طويلٍ من التجهيل المنهجي، والتضليل الإعلامي، والتهميش الممنهج لأهل الرأي والعلم والفكر الرصين. ذلك أن الأنظمة، في كثير من حالاتها، وجدت في تسطيح الوعي وسيلةً لضمان الهيمنة، فزرعت في النفوس ميلًا إلى ما هو تافه، ونفورًا مما هو جاد، حتى صار الانشغال باللهو مظهرًا من مظاهر “التطور”، والإعراض عن الجدّ عنوانًا للحداثة.
وقد يُخيّل للمرء، إذا ما أطال النظر في أحوال الناس، أنهم لم يعودوا يفرّقون بين الجوهري والعرضي، بين من يرفع الفكر و الوعي، ومن يجرّ إلى هوّة الاستهلاك والتبعية. فيُقدَّم الخطاب الشعبوي على أنه خطاب “قريب من الناس”، ويُروَّج للابتذال بوسائل باذخة، ويُزيَّن الجهل بطلاءٍ من حداثة زائفة.
فينشأ الشباب على صورةٍ باهتة من القدوة، ويجد الطفل نفسه محاطًا بأمثلة لا تدعوه إلى الطموح، بل تدفعه دفعًا إلى الاستسلام والتقليد.
ومما يزيد الأمر خطورةً، أن هذه الظواهر لم تَعُد تُقدَّم عفويًا، بل تُصنع صناعة دقيقة، يُخطَّط لها، ويُنفَق عليها، وتُنسَج حولها الأساطير الحديثة، وتُربط بالقوة، بالشهرة، و بالمال، وكأنّ المجد قد انتقل من ساحات النضال والعلم، إلى مسارح الضجيج وحفلات التفاهة. وقد تواطأ في هذا كثيرون: مؤسسات إعلامية، منصات تعليمية، سياسات تربوية، كلها التزمت الصمت، أو ساهمت بصريح الفعل في تعميم النموذج التافه وإقصاء النموذج الرصين.
وليس غريبًا، بعد هذا كله، أن يشعر الإنسان بازدواج داخلي، فيحبّ ما يعلم أنه باطل، ويُعجب بما يدرك أنه لا يُبنى عليه شيء. وهو ما يسميه علماء النفس بالتناقض الوجداني، حين تتصارع الرغبة في التحرر من الأصنام، مع الخوف من كسرها. وهكذا، يصبح المرء ممزقًا بين عقل يدرك فساد هذا النموذج، وقلب أُغري به حتى التبعية العمياء.
وما هذه الحال إلا ثمرة لنظامٍ يريد أن ينتج مستهلكين لا مفكرين، وأتباعًا لا نقّادًا، وأجسادًا تؤدي الوظيفة دون أن تسائل معناها.
وإذا كان لا بد من خلاص، فإن البداية لا تكون إلا من إعادة الاعتبار للعقل، للتربية، للقدوة التي لا تسعى خلف الوهج، بل تسير في هدوء، ترشد، وتغرس، وتُقيم المعنى في النفوس.
و هنا لا بد من نظامٍ تعليمي يعيد الاعتبار للمعرفة لا للمعلومة، وللتكوين لا للتلقين، وللأستاذ الذي يربّي ويهدي، لا الذي يكرّر. ولا بد من إعلامٍ يعلّم الناس التمييز لا التبعية، ويزرع فيهم الذوق السليم، لا التلذذ بالابتذال. و لا بد من أن تُستعاد الكلمة الجادة، وتُحرَّر المنصات من قبضة التهريج، ويُفسَح للمفكر والباحث والفنان الحقيقي أن يقول كلمته دون أن يُهمَّش أو يُسخر منه.
إنّ المجتمعات التي تُسلِّم أمرها للتفاهة، وتُقصي النخبة، وتُشكّك في الجدّ، وتُبجِّل المُزيّف، إنما تمضي نحو هاوية حضارية لا رجعة منها.
ولن تُثمر الشجرة ما دام الجذر مريضًا، ولن تقوم للأمة قائمة ما لم تعِ خطر ما تُروّجه، وتُدرك أنها بصناعتها للقدوة، إنما تصنع مصيرها، وتُهندس مستقبلها، وتُمهّد الطريق إما لنهوضٍ كريم، أو لانحدارٍ مريع.














