* زهير الوسيني
في خضم الأزمات الدولية المتلاحقة، يبرز سؤال جوهري لدى كثير من المحللين: هل تعكس الصراعات الإقليمية الحالية مجرد توترات محلية، أم أنها جزء من منافسة استراتيجية أوسع بين القوى الكبرى؟ هذا السؤال يكتسب أهمية خاصة عند النظر إلى التوترات المرتبطة بإيران أو فنزويلا، وهما دولتان تقعان في قلب معادلة الطاقة العالمية.
يروي الصحفي والمحلل زهير لواسيني أنه خلال مقابلة أجراها سنة 2019 مع وزير الخارجية الإسرائيلي الأسبق شلومو بن عامي، قال له الأخير جملة بقيت عالقة في ذهنه: “كل نزاع تراه في العالم، حاول أن تنظر إليه أيضاً من زاوية التنافس بين الولايات المتحدة والصين”. لم تكن هذه العبارة مجرد رأي عابر، بل تعبير عن منهج لفهم التحولات الجيوسياسية في القرن الحادي والعشرين.
هذا المنهج يستند إلى ما يعرف في الأدبيات السياسية بـ“مفارقة ثيوسيديدس”، وهي فكرة مستمدة من تحليلات المؤرخ اليوناني القديم ثيوسيديدس حول الحرب البيلوبونيسية. فقد رأى أن صعود قوة أثينا والخوف الذي أثاره هذا الصعود لدى إسبرطة كان عاملاً رئيسياً جعل الصدام بينهما شبه حتمي. واليوم يستخدم كثير من الباحثين هذه الفكرة لوصف التوتر المتزايد بين القوة المهيمنة، الولايات المتحدة، والقوة الصاعدة، الصين.
وعند تطبيق هذه القراءة على الأزمات المعاصرة، تبدو بعض النزاعات أكثر تعقيداً مما تبدو عليه ظاهرياً. فالأمر لا يتعلق فقط بصراعات داخلية أو توازنات إقليمية، بل أيضاً بالمنافسة على الموارد الاستراتيجية ومسارات التجارة والطاقة.
فنزويلا، على سبيل المثال، ليست مجرد دولة أمريكية لاتينية تعاني أزمة اقتصادية وسياسية عميقة، بل تمتلك أيضاً أحد أكبر احتياطيات النفط في العالم. وخلال السنوات الأخيرة أصبحت الصين أحد أبرز المشترين لنفطها، في إطار سعي بكين إلى تأمين مصادر طاقة مستقرة تدعم نموها الصناعي المتسارع.
الوضع نفسه ينطبق إلى حد كبير على إيران، التي تعد بدورها مورداً مهماً للطاقة في السوق العالمية. فرغم العقوبات الغربية، ما تزال الصين من أبرز مستوردي النفط الإيراني، غالباً عبر قنوات تجارية غير مباشرة تسمح بالالتفاف على القيود المفروضة.
لكن الجغرافيا الاستراتيجية للطاقة لا تقتصر على الدول المنتجة فقط، بل تشمل أيضاً طرق نقل النفط والغاز. ويُعد مضيق هرمز أحد أكثر النقاط حساسية في هذا السياق، إذ يمر عبره يومياً نحو خُمس النفط المستهلك عالمياً. وأي اضطراب في هذا الممر البحري بين إيران وشبه الجزيرة العربية يمكن أن يؤثر بشكل مباشر في إمدادات الطاقة العالمية، خاصة تلك المتجهة نحو آسيا.
ومن هذا المنظور، لا تبدو أزمات إيران وفنزويلا مجرد قضايا إقليمية معزولة، بل عقداً أساسية في شبكة المنافسة العالمية على الطاقة والنفوذ. فمن جهة، تسعى الصين إلى تنويع مصادر إمداداتها وتأمين احتياجات اقتصادها المتنامي. ومن جهة أخرى، تحاول الولايات المتحدة الحفاظ على قدرتها على التأثير في التوازنات الاستراتيجية للنظام الدولي.
ومع ذلك، لا يعني هذا أن كل أزمة في العالم تُدار وفق خطة كبرى مرسومة بدقة. فالواقع الجيوسياسي أكثر تعقيداً وتشابكاً من أي نظرية تفسيرية. غير أن الصراعات التي تدور في مناطق غنية بالطاقة تظل مرتبطة، بشكل أو بآخر، بالمنافسة بين القوى الكبرى.
فكما كان النفط عاملاً حاسماً في الحروب والتحالفات والانقلابات خلال القرن العشرين، ما يزال في القرن الحادي والعشرين يلعب دوراً محورياً، وإن بأدوات مختلفة: العقوبات الاقتصادية، الضغوط المالية، السيطرة على البنية التحتية للطاقة، والتنافس على الممرات البحرية.
وفي هذا السياق، قد لا تتجلى “مفارقة ثيوسيديدس” اليوم في حرب مباشرة بين الولايات المتحدة والصين، بل في صراع أقل وضوحاً لكنه واسع التأثير، يتمثل في المنافسة على الموارد الاستراتيجية ومسارات الطاقة والنفوذ الاقتصادي.
ولهذا السبب قد تبدو أزمات متباعدة جغرافياً، من الخليج إلى أمريكا اللاتينية، وكأنها فصول مختلفة من القصة نفسها: قصة تشكّل توازن دولي جديد تتحدد ملامحه تدريجياً أمام أعين العالم.















