السرعة تكاد تقتلنا. جري وعمل شاق وتراكم مرهق للأعمال والمسؤوليات.
لا تقل لي يا حبيبي أنك تعبت فالحياة لا ترحم وأن تكتفي بوظيفة واحدة معناه الفقر.
نعمل ليل نهار ونطحن صحتنا لأجل سداد الفواتير وأقساط عشرين عاما من قرض المنزل وصيانة السيارة المهترئة وربما تعويضها بأخرى جديدة حفظا لماء الوجه وتماشيا مع المنافسة الاجتماعية ومصاريف الأسرة التي لا تنتهي.

أصبح المال العصب الحيوي لعصرنا الحديث الموسوم بالإيقاع الغربي السريع المهيمن على حياتنا اليومية. أصبح العمل محورًا للحياة، وليس فقط وسيلة للرزق، بل كأنه عبادة تُقاس بها قيمتنا كبشر.
نخلد للنوم لنستيقظ للعمل في اليوم الموالي، ونأكل لنشحن الطاقة للعمل، بل حتى نمارس الرياضة لنصبح أكثر إنتاجية في العمل. وبينما يرفع البعض شعار “العمل الجاد طريق النجاح”، أرى شعارًا آخر يتخلق في أفق الأيديولوجيات الأكثر استدامة و حكمة : “لا تعمل أكثر من طاقتك… صحتك أولاً!”.
توقف لحظة. تأمل معي هذه الفلسفة العميقة عبر عدسة الفكاهة، و لا بأس أن تستند على آيات مقدسة من هنا وهناك و على كبار المفكرين مثل روني ديكارت، و فيلسوف برازيلي مجهول الهوية ، ونفحات الحكمة من هوليوود.
يقال إن العمل اليومي يحسن المزاج و تدفق المال في الجيب و الدم في الشرايين. لكن، لو كان هذا صحيحًا، فأنت على الأرجح مفلس عديم الفائدة اذا كنت مثلي تكره العمل أيام الاثنين. في ظل ثقافة تربط النجاح بالعمل المتواصل، يبدو أننا نسينا الحكمة القديمة: “راحة الجسد جزء من صحة العقل”. و هنا نشير الى الفيلسوف الفرنسي ديكارت، الذي قال عبارته الشهيرة: “أنا أفكر، إذن أنا موجود”. لو كان ديكارت قد عاش بيننا اليوم، لتغيرت عبارته إلى: “أنا أعمل 12 ساعة يوميًا، إذا أنا موجود”. لكن دعونا نتوقف قليلاً. هل هذا فعلاً نجاح؟ أم أنه نوع من الجنون و الانتحار الجماعي؟
في البرازيل، حيث الكرنفالات والموسيقى الصاخبة والابتسامات التي لا تنتهي هناك مفهوم آخر للعمل. البرازيليون يعشقون العمل بقدر ما يعشقون الرقص، لكنهم لا يسمحون له بتدمير حياتهم. ربما لأنهم يدركون أن الإفراط في أي شيء، حتى العمل، قد يجعلك تفقد إنسانيتك. ان فلسفتهم أقرب إلى الاعتدال الذي ينادي به القرآن الكريم: “وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا”.
قد يمتلئ جيبك، لكن قلبك قد يظل فارغًا. لذا اعمل بذكاء و لا تضيع صحتك و ابحث عن التوازن المطلوب بين العمل والحياة.
سواء كنت تؤمن بالقرآن أو الإنجيل أو التوراة أو كل هذه الكتب، فإن كلها تدعو إلى التوازن في الحياة. يقول الإنجيل: “ماذا ينفع الإنسان إذا ربح العالم كله وخسر نفسه؟”. هذه الجملة يمكن نقشها على لوحات في جميع المكاتب حول العالم، فقط لتذكير الموظفين أنهم ليسوا آلات. لكن كم مرة نتجاهل هذه الحكمة ونسقط في السباق ونهرول نحو العمل كما تفعل الفئران الهاربة من الزلزال؟
وا أسفاه..
نعمل كالمجانين لنشتري أشياء لا نحتاجها ولإبهار أشخاص لا نهتم بهم.
إذا كنت تعمل يوميًا حتى تنهار على سريرك ليلاً، فمتى ستعيش؟ متى ستحب ؟ متى ستستمتع بالشمس؟ متى ستجلس لتشرب كأس شاي دون النظر إلى الساعة؟
روني ديكارت، إن كان حيًا اليوم، ربما قد يجادلنا و يثبت بالحجة الدامغة أن التفكير مهم، لكنه ليس كل شيء. العمل يتطلب تفكيرًا، لكن الراحة أيضًا تتطلب تأملاً. و هنا يتدخل البرازيلي المجهول، ذلك الفيلسوف الذي لم يُسطر عنه حرف واحد في الكتب لكنه يعيش في قلوب كل من شاهد مباريات كأس العالم وهو يرقص احتفالاً بهدف في الدقيقة 90. ان فلسفته بسيطة جدا : “الحياة قصيرة جدًا لتعيشها كعبد لساعتك”.
العمل المفرط يدمر الأعصاب و يقتل الإبداع. من قال إن الأمريكيين لا يفهمون شيئًا عن الحياة؟ قال أحد نجوم هوليوود ذات يوم: “لا أحد على فراش الموت يقول: أتمنى لو قضيت ساعات أطول في العمل”. لماذا اذا نعيش وكأن مكتبنا هو هرم خوفو ونحن العبيد العمال المطالبين ببنائه ؟ ان الفلسفة التي تربط العمل بالسعادة أثبتت فشلها. و حتى في السينما، الشخصيات التي تُظهر أنها “مدمنة عمل” عادة ما تكون مكسورة داخليًا. ان مثل تلك الأفلام الكوميدية تُظهر البطل وهو يهرب من مكتبه ليجد حب حياته على شاطئ مهجور.
هراء و تخاريف..
هل نحن آلات أم بشر؟
ان السؤال الجوهري الذي يجب أن نسأله لأنفسنا: هل نحن هنا فقط للعمل؟ أم أننا بشر نحتاج إلى الراحة، والحب، والاستمتاع بالحياة ؟
القرآن و الإنجيل، و ديكارت و حكماء البرازيل وحتى هوليوود تتفق على شيء واحد: التوازن هو المفتاح. فالحياة ليست سباقًا و لا يجب أن يكون هدفها الأول تجميع أكبر عدد من ساعات العمل. إن حلاوة الحياة ذكريات جميلة، و نزهات في الطبيعة و قدر كافي و معقول من العمل و تحقيق أهداف صغيرة أو كبيرة حسب رغبتك الشخصية، ولكن الأهم من ذلك، هو أن تعيش بكامل قلبك و روحك و احساسك. الآن وهنا.
لا تكن غبيا مغفلا. صحتك أولاً وفي النهاية. وإذا كنت تشعر أنك تعمل أكثر مما تتحمل، تذكر هذه الجملة : “الحياة لا تستحق أن تُعاش في دوامة العمل فقط”. خذ يومًا أو ثلاثة أيام للراحة، ارقص كالبرازيليين تحت الشمس و على ضفة الشاطئ، اقرأ القرآن لتستلهم الحكمة، فكر كديكارت، وشاهد فيلمًا أمريكيًا تجاريا لتضحك و تنفجر على فكرة “مدمني العمل”.
والآن.. انتهيت من قراءة هذه السطور؟؟؟
وداعا حبيبي و ربما الى اللقاء..
انظر في المرآة واسأل نفسك: “هل أعمل لأعيش، أم أعيش لأعمل؟
*أستاذ باحث بالمعهد العالي للإعلام والاتصال















