أثارت كلمة “تهجير”، التي وردت في لقاء حواري للصحفي يونس مسكين مع إحدى المؤسسات الإعلامية، حملةً من الجدل والنقد، اختلط فيها التقييم المهني بالتحامل، وساد فيها أحيانًا منطق الإدانة المسبقة بدل النقاش الرصين.
وهو ما يدعونا إلى التوقف عند الموضوع بميزان التحليل، دفاعًا عن حرية التعبير، وعن المهنية الصحفية، وعن حق الاختلاف.
أولًا، لا بد من التأكيد أن الصحافة ليست مجرد نقلٍ حرفي للأحداث، بل هي أيضًا تحليلٌ وتأويلٌ واختيارٌ للمفاهيم في سياقها الدلالي.
والكلمات في العمل الصحفي لا تُنتزع من سياقها لتُحاكم معزولة، بل تُفهم داخل البناء العام للخطاب، والنية التفسيرية التي تحكمه.
وعليه، فإن استعمال مصطلح “التهجير” لا يمكن فصله عن سياقه النقاشي، ولا عن الشرح الذي قدّمه صاحبه لاحقًا، حين أوضح أنه لا يقصد التهجير القسري، بل الإجلاء الوقائي أو الاستباقي المرتبط بعمليات الإنقاذ وحماية الأرواح.
ثانيًا، إن يونس مسكين يُعرف في الحقل الإعلامي بكونه صحفيًا مهنيًا، جادًا، وناقدًا، لا يشتغل بمنطق الإثارة المجانية ولا بخطاب التحريض، بل بمنهج تحليلي يُخضع الوقائع للنقاش العمومي.
ومن غير المنصف اختزال مساره المهني ومواقفه في كلمة واحدة، أو محاكمته بنوايا لم يُصرّح بها، ولا تدعمها مجمل تدخلاته.
ثالثًا، إن الاختلاف حول المصطلحات حق مشروع، بل ومفيد للنقاش العمومي، غير أن هذا الاختلاف يجب أن يُدار بأدوات الحجاج والحوار، لا بمنطق التشهير أو التخوين.
فحرية التعبير، التي نطالب بها جميعًا، لا تُجزّأ، ولا تُمنح للبعض وتُسحب من البعض الآخر عند أول تباين في الرأي.
ثم إن النقاش الحقيقي الذي أثاره اللقاء لا ينبغي أن ينحرف إلى معركة لغوية، بل أن ينصبّ على جوهر القضايا التي أشار إليها مسكين، وفي مقدمتها: ضعف التواصل المؤسساتي، التأخر في بعض المشاريع البنيوية، والجاهزية اللوجستيكية في تدبير الأزمات، إضافة إلى التخوف المشروع من تكرار الإخفاقات عند عودة الظروف الطبيعية، خاصة في ملفات إعادة الإعمار وتعويض المتضررين.
من هذا المنطلق، فإننا في موقع لوبوكلاح نعلن دعمنا الكامل للزميل يونس مسكين، ونسانده في حقه في التعبير والتحليل واستعمال المفاهيم التي يراها مناسبة ضمن ضوابط العمل الصحفي.
كما نعتبر أن ما عبّر عنه يندرج في إطار النقد المسؤول، لا في خانة الإساءة أو التحريض.
إن الدفاع عن يونس مسكين اليوم، هو في جوهره دفاع عن صحافة حرة، جريئة، وقادرة على مساءلة السياسات العمومية دون خوف أو وصاية.
وهو أيضًا دفاع عن حق المجتمع في نقاش هادئ وعقلاني، لا تُصادر فيه الآراء، ولا يُجرَّم فيه الاختلاف.
فالصحافة، في النهاية، لا تتقدم بالصمت، بل بالنقاش. ولا تُقوَّى بالتخويف، بل بالحرية والمسؤولية معًا.














